حقوق الأبناء على الآباء.. مسؤولية تبدأ قبل الميلاد وتمتد مدى الحياة بقلم: د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية

0 1
في الوقت الذي تتعاظم فيه الدعوات إلى حماية حقوق الإنسان، يلفت الإسلام الأنظار إلى حقوقٍ أصيلة تبدأ مع الإنسان قبل أن يرى النور، وترافقه في مختلف مراحل حياته، ومن أبرز هذه الحقوق، حقوق الأبناء على الآباء، التي جعلتها الشريعة أمانةً ومسؤوليةً يُسأل عنها الوالدان أمام الله تعالى.
فلا تقتصر الأبوة والأمومة في الإسلام على توفير الطعام والشراب والكساء، بل هي رسالة تربوية وأخلاقية وإيمانية متكاملة، وقد جاءت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية مؤكدةً أن للأبناء حقوقًا ثابتة على آبائهم، وأن الإخلال بها قد ينعكس على الفرد والأسرة والمجتمع بأسره، منها على سبيل الذكر لا الحصر:
حق الأبناء في الاختيار الصالح للأم:
لا شك أن حقوق الأبناء تبدأ قبل ولادتهم، وذلك بحسن اختيار الزوجة الصالحة التي تكون موطنًا للتربية والإيمان والأخلاق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” تُنكَحُ المَرأةُ لأربَعٍ: لمالِها، ولحَسَبِها، ولجَمالِها، ولدينِها؛ فاظفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَداكَ ” متفق عليه، ففي الحديث: تَفضيلُ ذاتِ الدِّينِ مِنَ النِّساءِ على غيرِها، وذلك لأن صلاح الأم صلاح للذرية، فهي المدرسة الأولى التي يتلقى منها الطفل قِيمه ومبادئه.
حقهم في الحياة والرعاية:
من أعظم الحقوق التي كفلها الإسلام للأبناء حقُّهم في الحياة والأمن والكرامة الإنسانية. وقد حرَّم الله تعالى الاعتداء على حياة الأبناء أو التفريط فيها لأي سبب كان، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (الأنعام: 151، قال الإمام ابن كثير – رحمه الله -: نهى الله عن قتل الأولاد خوفًا من الفقر، وأخبر أن الرزق بيده سبحانه، وهذا الحق يشمل المحافظة على صحتهم، وسلامتهم، ورعايتهم جسديًا، ونفسيًا.
فالأبناء هبة من الله عز وجل، وليسوا عبئًا أو مسؤولية يمكن التنصل منها، بل هم نعمة تستوجب الشكر والرعاية والحفظ.
حقهم في الاسم الحسن:
من الحقوق التي أكدتها السنة النبوية اختيار الاسم الحسن للولد، فقد أوصى الإسلام باختيار اسم حسن للمولود، واعتبره من أهم حقوق الطفل على والديه، ويؤكد الشرع أن الاسم ليس مجرد علامة للنداء، بل هو عنوان يعبر عن الهوية والشخصية وله دلالات عميقة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنكم تُدْعَوْن يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم” رواه أبو داود وحسنه جماعة من أهل العلم، ولا شك أن اختيار الاسم الحسن للمولود واجباً شرعياً ومسؤولية تقع على عاتق الوالدين، فالاسم الجميل يرافق الإنسان طوال حياته ويترك أثرًا في شخصيته ومكانته بين الناس.
حق التربية والتعليم:
تُعد التربية من أعظم حقوق الأبناء، فلا تقتصر الرعاية على الجوانب المادية فحسب، بل تشمل التربية الإيمانية والأخلاقية والسلوكية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ التحريم: 6، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته” متفق عليه.
ومن واجب الآباء تعليم أبنائهم أمور دينهم، وغرس القيم الفاضلة في نفوسهم، وتعويدهم على الصدق والأمانة واحترام الآخرين، ليكونوا أفرادًا صالحين لأنفسهم ومجتمعاتهم، فالوالدان مسؤولان عن غرس العقيدة الصحيحة والأخلاق الفاضلة والسلوك القويم في نفوس أبنائهم.
ومن واجبات الآباء السعي في تعليم أبنائهم وتنمية قدراتهم وإعدادهم ليكونوا أفرادًا نافعين لأنفسهم وأمتهم. فالعلم من أعظم ما يورثه الآباء لأبنائهم، وهو استثمار يمتد أثره طوال الحياة.
كما ينبغي توجيه الأبناء إلى ما ينفعهم من العلوم والمهارات، ومساعدتهم على بناء شخصيات قوية قادرة على مواجهة تحديات العصر.
حق النفقة والرعاية المعيشية:
ألزم الإسلام الآباء بالإنفاق على أبنائهم وتوفير احتياجاتهم الأساسية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وعلاج، بحسب القدرة والاستطاعة ، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة: 233 ، فمن باب أولى أن تشمل النفقة الأبناء أنفسهم؛ لأنهم من أعظم من تجب نفقتهم على الوالد، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته “ رواه مسلم في صحيحه، ومعنى ذلك: يكفي المرء من أسباب كسب الإثم والذنب، «أن يحبس عمن يملك قوته»، يعني من تلزمه نفقته من أهله وعياله وعبيده، والمراد أنه لو لم يكن للشخص ذنب غير منعه مملوكه قوته، لكفاه ذلك إثما يوجب له دخول النار، وفي الحديث: الأمر بالإنفاق على من تلزم رعايته.
ولا شك أن التقصير في النفقة والرعاية ليس مجرد خطأ اجتماعي، بل هو تقصير شرعي يؤثم عليه الإنسان.
حق العدل بين الأبناء:
من أهم الحقوق التي أكدت عليها الشريعة العدل بين الأبناء وعدم التمييز بينهم. فعندما أراد أحد الصحابة أن يخص أحد أبنائه بعطية دون إخوته، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: “اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم” متفق عليه، فالتمييز بين الأبناء يزرع العداوة والحسد ويؤدي إلى تفكك الروابط الأسرية.
حق الرحمة والرفق:
لم يجعل الإسلام العلاقة بين الآباء والأبناء قائمة على الأوامر وحدها، بل على الرحمة والمودة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبّل الحسن والحسين رضي الله عنهما، ويلاعبهما ويظهر لهما المحبة، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من لا يَرحم لا يُرحم” متفق عليه، فالرحمة مفتاح التربية الناجحة، وبها تُبنى الثقة والاستقرار النفسي للأبناء، فالأبوة ليست سلطةً مجردة، بل هي رحمة وعطف واحتضان.
وختاما اعلم أيها القارئ الكريم رحمني الله وإياك: أن حقوق الأبناء على الآباء ليست تفضّلًا أو إحسانًا اختياريًا، بل هي واجبات شرعية ومسؤوليات أخلاقية أوجبها الله تعالى، فحسن الاختيار، والتربية الصالحة، والعدل، والإنفاق، والرحمة، كلها لبنات أساسية في بناء جيل صالح ينفع نفسه وأسرته ووطنه.
وإذا كانت الأمم تُقاس بقوة مؤسساتها، فإن الأسرة تبقى المؤسسة الأولى في صناعة الإنسان، وكلما أدّى الآباء ما عليهم من حقوق تجاه أبنائهم، كان ذلك سببًا في استقامة المجتمع واستقراره.
وما أجمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: “ما نَحَلَ والدٌ ولدَه أفضلَ من أدبٍ حسن” أخرجه الترمذي (1952)، وأحمد (15403)، والبغوي في ((معجم الصحابة)) (971) واللفظ لهم.
فالأموال تفنى، أما التربية الصالحة فتبقى أثرًا مباركًا في الدنيا والآخرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط