«هل للحرب سبيل؟».. في ظل صراع الكبار وأثمان الشعوب الباهظة بقلم: مهندس أحمد عيد
نعيش في هذه الأيام على وقع مرحلة هي الأشد خطورة وحساسية في تاريخ المنطقة والعالم؛ حيث تقف منطقة الشرق الأوسط على خط التماس المباشر لمواجهة عسكرية وسياسية محتدمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
مواجهة لم تعد مجرد تصريحات صحفية أو تحركات دبلوماسية في الممرات المغلقة، بل أصبحت واقعاً ميدانياً نشهده ونكابد آثاره لحظة بلحظة، مما يدفع كل إنسان عربي ومواطن في المنطقة إلى التساؤل بحسرة وحيرة: «هل للحرب من سبيل للوقف؟ وهل يعود الاستقرار والأمان إلى شواطئنا وأوطاننا أم أن منطق القوة والأطماع سيعصف بالجميع؟»
1. الكلفة الإقليمية: ضرب الاستقرار والأمن في الخليج
لم تعد هذه المواجهة محصورة في حدود طرفيها؛ بل امتدت شرارتها المباشرة لتطال الأمن الإقليمي والدول المجاورة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.
إن حالة عدم الاستقرار والأرق الأمني التي تحيط بالمنطقة جراء الضربات الإيرانية والهجمات المتبادلة تعكس حقيقة واحدة: لا يوجد طرف بعيد عن لظى هذه الحرب.
إن تهديد الممرات المائية الحيوية—كمضيق هرمز والخليج العربي—وتطاير الشظايا العسكرية نحو القواعد والمرافق الإقليمية يجعل المواطن العربي في دول الخليج والجوار يعيش حالة من الترقب والقلق الدائم على أمن بيته وأرضه واستقرار وطنه، في ظل معادلة تعتمد على “عض الأصابع” وتوسيع نطاق الردع.
2. الاقتصاد العالمي والمواطن اليومي: الفاتورة الباهظة
إن أخطر ما في هذه الحرب هو أن ضحاياها لا يسقطون فقط في جبهات القتال، بل داخل كل بيت وفي تفاصيل الحياة اليومية للمواطن البسيط، وذلك من خلال ضرب الاستقرار الاقتصادي المعيشي:
-
ارتفاع فاتورة الطاقة والنفط: أدى تصاعد النزاع إلى قفزات متتالية في أسعار النفط ومشتقاته عالمياً، مما رفع فاتورة واردات الطاقة للدول المستوردة، وانعكس ذلك فوراً على أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية وتكاليف الشحن والنقل.
-
تراجع العملات والتضخم: تعيش العديد من اقتصادات المنطقة على وقع ضغوط هيكلية وتراجع في قيمة العملات الوطنية أمام الدولار، مما تسبب في موجات تضخم غير مسبوقة نهكت القدرة الشراء للمواطن وسلبت منه شعور الأمان الاقتصادي والحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
-
نزيف قطاع السياحة: ضربت حالة القلق الأمني في الشرق الأوسط قطاع السياحة العالمية والمحلية في مقتل؛ حيث انخفضت معدلات التدفق السياحي وتراجعت حركات الطيران والاستثمار، وهو القطاع الذي يمثل شريان حياة ومصدر دخل رئيسياً لملايين العائلات ولخزانات العديد من دول المنطقة.
3. هل للحرب سبيل لوقفها؟ أم أن للقوي حسابات أخرى؟
أمام هذا المشهد المأزوم، يقف العالم أمام مفترق طرق أخلاقي وسياسي: هل توجد الإرادة الدولية الحقيقية لوقف هذه الحرب والعيش بسلام؟
الحقيقة المرة تدل على أن الدول العظمى والكبرى تحركها غالباً «حسابات النفوذ والهيمنة» وسباقات الانتخابات والأجندات الجيوسياسية الضيقة، دون اعتبار حقيقي لما تعانيه الشعوب النامية أو المستضعفة.
إن استمرار الاعتماد على سياسة “عضلات القوة” ورفض إعطاء السلام فرصة حقيقية يعيد العالم إلى شريعة الغاب؛ حيث يلتهم القوي الضعيف، وتتحول الأوطان إلى ساحات لتصفية الحسابات.
ومع ذلك، فإن السبيل لوقف الحرب ليس مستحيلاً إذا ما تضافرت العوامل التالية:
-
تفعيل الوساطات الإقليمية والدولية الحكيمة: تبرز أهمية الدبلوماسية الوقائية والوساطات المتزنة (كالتي تقودها بعض الدول العربية والإقليمية) لفتح قنوات تفاوض فنية وسياسية تضمن الحدود الأدنى لأمن جميع الأطراف وتغلب لغة العقل.
-
إعادة الاعتبار لمنظومة القانون الدولي: يجب على المجتمع الدولي والأمم المتحدة الخروج من حالة العجز والارتهان للفيتو، وفرض تفاهمات إلزامية تحمي الملاحة البحرية ومصادر الطاقة، وتمنع استهداف مدن وأمن الشعوب الآمنة.
-
إعلاء صوت الشعوب وتغليب خيار السلام: إن الكلفة المادية والإنسانية الباهظة لهذه الحرب ستشكل بالضرورة ضغطاً داخلياً على القوى المتصارعة ذاتها، مما يتطلب استثمار أي جوٍّ حواري لإبرام ترتيبات أمنية جديدة تنهي حالة السيولة والاضطراب.
