الوقت… رأس مال الإنسان والثروة التي لا تُعوَّض بقلم: د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية
حين يمضي الزمن لا يعود، وحين تضيع اللحظات لا تُشترى بثمن، وكل دقيقة تمضي تقتطع جزءًا من العمر، ولا يبقى للإنسان إلا ما كُتب في صحيفته من صالح العمل، ولا شك أن في خضم زحام الحياة وتسارع إيقاعها، يغفل كثير من الناس عن أعظم نعمة وهبها الله لهم بعد نعمة الإيمان، وهي نعمة الوقت.
إنه رأس المال الحقيقي، والثروة التي يتساوى في امتلاكها الجميع، فلا يملك أحدٌ ساعةً أكثر من غيره، ولكن الفارق يكمن في كيفية استثمارها.
ولقد أقسم الله تعالى بالزمن في مواضع متعددة من كتابه الكريم، فقال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ العصر: 1-2، وهذا القسم الرباني يُلفت الأنظار إلى قيمة الوقت، وأن الخسارة الحقيقية ليست في فقد المال أو الجاه، وإنما في ضياع العمر دون عمل صالح أو نفع متعدٍّ، ويقول سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ المؤمنون: 115، فالحياة ليست رحلة عبثية، وإنما رسالة ومسؤولية، وكل دقيقة فيها أمانة سيسأل عنها الإنسان يوم القيامة.
وجاءت السنة النبوية لتؤكد هذا المعنى العظيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس، الصحة والفراغ” رواه البخاري، فالفراغ الذي يراه البعض فرصة للكسل، يراه المؤمن فرصة للإنجاز والطاعة وبناء النفس، وقال صلى الله عليه وسلم: ” لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ” رواه الترمذي (2417)، وقال: ” هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ”.، الشاهد من الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: “ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ“، إنه سؤال لا مفر منه، يجعل الإنسان يراجع حساباته قبل أن يطوى سجل حياته.
واعلم أيها القارئ الكريم: أن التاريخ لا يُخلد أصحاب الأعمار الطويلة، وإنما يُخلد أصحاب الأعمار المباركة، الذين ملؤوا أوقاتهم علماً، وعملاً، وإصلاحاً، ودعوة، وإحساناً، فكثير من العظماء رحلوا في أعمار قصيرة، لكن آثارهم بقيت حية؛ لأنهم أدركوا أن قيمة الإنسان فيما ينجز، لا فيما يعد من السنوات.
ومن المؤسف أن أصبحت وسائل اللهو الحديثة (ومنها على سبيل الذكر لا الحصر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة) تلتهم الساعات بلا شعور، حتى يغدو اليوم كله صفحات تُقلَّب على الشاشات، بينما يبقى الرصيد الحقيقي من الإنجاز صفراً أو قريباً منه، وما أكثر الذين يشتكون ضيق الوقت، ولو فتشوا في يومهم لوجدوا أن الساعات لم تضق، وإنما ضاعت.
إن إدارة الوقت ليست مجرد مهارة إدارية، بل هي عبادة حين يقصد بها المسلم عمارة الأرض، وأداء الحقوق، والإحسان إلى الخلق، والتقرب إلى الله، فالوقت الذي يُستثمر في طلب العلم، أو بر الوالدين، أو تربية الأبناء، أو إغاثة المحتاج، أو قراءة القرآن، هو استثمار يبقى أثره في الدنيا، وثوابه في الآخرة.
وكان السلف الصالح يدركون هذه الحقيقة أبلغ إدراك، حتى قال الحسن البصري رحمه الله: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك“، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: “ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي.”
إن الوقت لا ينتظر أحداً، ولا يعود إلى الوراء، وكل شروق شمس يعلن بداية فرصة جديدة، وكل غروب يطوي صفحة من العمر لن تُفتح مرة أخرى، والسعيد من جعل أيامه سُلماً يرقى به إلى رضا الله، لا حملاً يثقله يوم يلقى ربه.
وتذكر أيها القارئ الكريم دائما: أن المال إذا ضاع أمكن تعويضه، والصحة إذا ذهبت قد يعود بعضها، أما الوقت، فإذا انقضت لحظة منه، فقد رحلت إلى الأبد؛ لذلك لم يكن أغنى الناس من ملك الأموال، بل من أحسن استثمار الأنفاس، وجعل كل يوم يمر شاهدًا له لا شاهدًا عليه، فالسعيد حقًا ليس من طال عمره، وإنما من بورك له في عمره، حتى إذا طُويت صحيفته، فاح منها عبير الطاعات، وبقي أثره الحسن في الأرض، ورجاؤه العظيم عند رب السماوات والأرض.
