صناعة «التريند» القيمي.. لماذا نحتاج «سما وسلمى» بديلًا لثقافة الاستعراض؟ بقلم: الناقد والمحلل السياسي — الكاتب الصحفي محمد بهلول

0 4
في زمنٍ أضحت فيه «خوارزميات» المنصات الرقمية هي التي تقود الذائقة العامة، فرضت علينا الشاشات واقعاً مأزوماً يتصدر فيه المشهد شريحةٌ محددة من مشاهير الكرة، ونجوم الفن الشكلي، ولهاث «التريند» القائم على الإثارة أو الاستعراض.
وسط هذا الضجيج البصري، يبرز سؤال مجتمعي حاسم: من هي النماذج التي يجب أن نصنع منها أبطالاً للرأي العام؟ وما الثمن الذي تدفعه الدولة ومؤسساتها عندما تستبدل القدوة الحقيقية بالنجومية الزائفة؟
«سما وسلمى».. عندما تصبح القيم ترينداً حقيقياً
ليست القصة مجرد حصول الطالبة سما هاني المسلماني على المركز الأول على مستوى الجمهورية بالثانوية الأزهرية (القسم الأدبي) بمجموع 99%، بل في تفاصيل هذا النجاح التي تعكس أصالة التربية المصرية.
فحين اتصل بها فضيلة إمام الأزهر الشريف ليهنئها بالمركز الأول، رفضت «سما» ووالدتها مظاهر الفرحة أو إطلاق زغاريد الابتهاج، وأصرت على معرفة نتيجة توأمها «سلمى» (القسم العلمي).
ولأنها «الأخت والصديقة» التي لا يكتمل النجاح إلا برفقته، حبست الأسرة أنفاسها حتى تأكدت من حصول «سلمى» على 96%؛ حينها فقط انطلقت الفرحة الحقيقية من القلب.
وحين سُئلت سما عن سبب رفضها الاحتفال بمرتبتها الأولى قبل الاطمئنان على أختها، جاء ردها التلقائي يختصر فلسفة كاملة في صلة الرحم والإيثار:
مينفعش أفرح من غيرها.. لو مكنتش جابت مجموع كويس كنت هزعل، وساعتها نتيجتي مش هيبقى ليها أي طعم“.
لم تتوقف الصورة عند حدود الحب العائلي، بل امتدت للطموح الوطني والإنساني؛ «سلمى» تسعى لدراسة الطب البشري لعلاج غير القادرين مجاناً، و«سما» تتطلع لكلية الحقوق للدفاع عن مظلوميات الناس وإعادة الحقوق لأصحابها. إن نجاحهما في الامتحان الأزهر يستحق التقدير، لكن نجاحهما في التربية والأخلاق وحب الخير هو ما يستحق التصفيق والاحتفاء الإعلامي الواجب.
تداعيات تصدير «النماذج الهشة» في مقابل «القدوة الحقيقية»
إن الإصرار الإعلامي على تسليط الضوء الدائم على النماذج الهامشية—على حساب طاقات العلم والأخلاق والعمل الشاق—يترتب عليه انعكاسات الخطيرة تدفع ضريبتها الدولة في كافة القطاعات:
1. التأثير الثقافي والأخلاقي (تجريف الذائقة العامة)
عندما يصبح المشهور أو صاحب المحتوى الفارغ هو القدوة المتاحة للنشء، تتراجع قيمة العلم والجهد الصامت.
يُنسخ الاعتقاد بأن الطريق الأسهل للوجاهة الاجتماعية والمادية هو «الشهرة السريعة» لا التحصيل العلمي أو الالتزام الأخلاقي، مما يؤدي إلى تجريف المنظومة القيمية الهادفة لصلة الرحم والتكافل.
2. التأثير الاجتماعي (تفكك السلم القيمي)
تصدير النماذج الاستعراضية ينشر حالة من الشعور بـ «الإحباط الاجتماعي» لدى الشباب المجتهد؛ حيث يرى صاحب البحث أو العلم نفسه في الهامش، بينما يتصدر الواجهة من لا يقدم قيمة حقيقية.
في المقابل، تسليط الضوء على نماذج مثل «سما وسلمى» يعيد ترميم البناء الاجتماعي، ويكرس قيم المحبة والتضامن الأسري بدلاً من الفردية والأنانية.
3. التأثير الأمني والمجتمعي
العلاقة بين الإعلام والأمن الاجتماعي علاقة جذرية؛ فالشاشات التي تروج للسطحية وتغييب العقل تسهم—من حيث لا تدري—في رفع معدلات الجريمة وتفشي الظواهر السلوكية المنحرفة الناتجة عن غياب القدوة السوية.
إن بناء رأس المال البشري الملتزم ينعكس مباشرة على استقرار المجتمع وحماية أمنه القومي من اختراق الثقافات الوافدة والهدامة.
4. التنمية المستدامة وبناء الدولة
لا تبنى الدول بالشعارات أو الاستعراض، بل بسواعد أطباء يبنون الإنسان (كطموح سلمى)، وحقوقيين يرسخون العدالة (كطموح سما)، ومعلمين ومبتكرين يرفعون اسم الوطن.
إن الاستثمار الإعلامي في أصحاب الكفاءات العلمية والأخلاقية هو المرتكز الأساسي لأي خطة تنمية شاملة تسعى إليها الدولة المصرية.
خريطة طريق لإعلام يتسع للوطن
إننا لا نطالب بإلغاء الفنون أو الرياضة؛ فهما جزء من قوة مصر الناعمة، لكن المطالبة هي بإعادة «التوازن البصري والفكري» للمؤسسات الإعلامية.
إعادة رسم أولوية «التريند»: يجب ألا تخضع التغطيات الصحفية والإعلامية لعدد المتابعات المجرّدة، بل للقيم والمضامين التي تبني الإنسان.
إنتاج برامج الحاضنة الوطنية: تخصيص مساحات ثابتة ومستمرة تحتفي بالمتفوقين في التعليم الأزهر والعام، والمخترعين، وأصحاب المبادرات الإنسانية، وتحويلهم إلى «رموز مجتمعية» يتطلع الشباب للاقتداء بها.
تضافر التلفزيون والصحافة الرقمية: تبني منصات إعلامية واعية تشكل وعي الجيل الجديد وتغرس فيه أن النجاح الحقيقي هو مزيج بين «التفوق العلمي» و«السمو الأخلاقي».
ختاماً..
إن «سما وسلمى» وأمثالهما من أبناء مصر البررة هم الفخر الحقيقي والرصيد الباقي لهذا الوطن.
الاحتفاء بهن ليس مجرد تغطية لخبر نجاح، بل هو واجب وطني وأخلاقي لإعادة ترتيب أولويات العقل المصري، ولتوجيه الرسالة الصحيحة لأجيال قادمة: إن القيمة الحقيقية للإنسان تبدأ من أصل تربيته، ومقدار ما يقدمه من خير لمحيطه ووطنه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط