حينما تُغتال اللغة العربية وتُدرَّس الأخطاء النحوية بقرار رسمي بقلم: الناقد والمحلل السياسي – الكاتب الصحفي/ محمد بهلول
تُعتبر المادة اللغوية في المناهج التعليمية صمام الأمان لأي أمة تسعى لحفظ تراثها وبناء تفكير أبنائها بشكل سليم.
وحين يتطرق النقاش إلى تدريس النحو العربي في المراحل التعليمية المختلفة، فإننا لا نتحدث عن مجرد ألعاب لفظية أو قواعد جافة، بل عن هندسة التفكير والعقل العربي.
1. من عصر العمالقة إلى ارتباك الصياغة
على مر التاريخ، كانت مصر منارة للغة الضاد؛ فمنها خرجت وأُثريت إسهامات كبار أئمة النحو وعلماء اللغة الذين أصلوا القواعد ويسروها.
ألم يكن ابن هشام الأنصاري (الذي قال عنه ابن خلدون: “ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه”)؟
وألم يخرج من أرض مصر في العصر الحديث قمم مثل الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد بشرُوحِهِ الذهبية، والأستاذ عباس حسن بموسوعته الخالدة “النحو الوافي”؟
لقد قدم هؤلاء الأعلام القواعد في أبهى صورة من الدقة والتدرج, أما اليوم، فإن المتابع للمناهج الدراسية يلاحظ ارتباكاً فجاً في توزيع الدروس على المراحل السنية، وتسلل أخطاء مفاهيمية وتطبيقية فادحة إلى كتب اللغة العربية، مما يربك الطالب ويُضعف التأسيس اللغوي لدى أجيال كاملة.
2. ضعف المعلم: حينما يُمَسَّسُ الخطأ وتُقتَلُ الحاسة اللغوية
إن الأزمة لا تتوقف عند حدود “النص المكتوب” في المنهج المطبوع، بل تمتد إلى خط الدفاع الأخير: المعلم داخل الفصل.
إن الوقوف عند خطأ المنهج يتطلب معلماً متمكناً يملك “الحاسة اللغوية” والتمكن العلمي الذي يجعله يكتشف الخطأ ويصوبه، لا أن يمر عليه مرور الكرام! وللأسف، كشفت المناهج الحالية عن تراجع حاد في المستوى الأكاديمي واللغوي لقطاع غير قليل من المعلمين، الذين باتوا يلقنون هذه الأخطاء للطلاب دون تدبر أو تعليق، بل ويدافعون عنها أحياناً بحجة أنها “موجودة في كتاب الوزارة“!
هذا الصمت أو العجز عن التمييز بين الصواب والخطأ يحول المعلم من مربٍّ وحارسٍ للغة إلى ناقل أمين للخلل، مما يجهز على ما تبقى من ملكة الفهم لدى الطالب.
3. خطورة التراجع اللغوي وتبعاته
إن ضعف القواعد لدى الطلاب لا يتوقف عند حدود ورقة الامتحان، بل تمتد تبعاته إلى:
-
تراجع القدرة على التفكير المنطقي: فالنحو هو منطق اللغة، واختلاله يؤدي إلى ضعف الصياغة والفهم.
-
انفصام الصلة مع التراث: صعوبة استيعاب النصوص الأدبية والدينية.
-
تراجع الذائقة الأدبية: واستبدالها بلغة مسطحة تفتقر إلى جماليات الضاد.
4. الصراع على الهوية: بين التخطيط والتقصير
على مر التاريخ، ناقشت دراسات ومؤتمرات أثر اللغة والدين في تماسك المجتمعات العربية والإسلامية، وكيف أن إضعاف الرصيد اللغوي للأجيال هو أقصر طريق لقطع صلتهم بهويتهم.
ولكن، هل كل خلل في مناهجنا هو نتيجة تخطيط خارجي فقط؟ إن الواقع يخبرنا أن الخطورة الأكبر تأتي غالباً من الداخل؛ من التقصير الإداري، وضعف لجان التأليف والمراجعة، وغياب المعايير الصارمة في اختيار الخبراء التربويين واللغويين المشرفين على وضع وتوزيع هذه المناهج داخل وزارة التربية والتعليم، فضلاً عن غياب التأهيل الحقيقي للمعلم.
5. المسؤولية والمحاسبة: من يقود التغيير؟
تتحمل اللجان الفنية لتطوير المناهج ومركز تطوير المناهج والمواد التعليمية، إلى جانب قطاعات تدريب المعلمين، المسؤولية المباشرة عن:
-
التدرج المنطقي والتدقيق: ضمان خلو الكتب من الأخطاء النحوية والإملائية التي تشوش ذهن الطالب.
-
التأهيل اللغوي للمعلم: إعادة غربلة برامج تدريب معلمي اللغة العربية لضمان امتلاكهم الكفاءة العلمية التي تؤهلهم لحماية المادة لا التبعية الأعمى للكتاب.
