دكتورة سماح مصطفى تكتب ….. حين يصبح البيت ساحة صامتة للحروب النفسية

0 23
ليس كل بيت يعلو فيه الصوت بيتًا مضطربًا
وليس كل بيت يسوده الصمت بيتًا مستقرًا.
في جلسات الإرشاد الأسري، ألتقي يوميًا بأشخاص يبدون من الخارج طبيعيين تمامًا؛ زوجة تؤدي واجباتها، زوج يذهب إلى عمله، أبناء يذهبون إلى مدارسهم، وصور عائلية قد تبدو للآخرين مثالية.
لكن خلف الأبواب المغلقة تدور معارك لا يراها أحد.
معارك من نوع آخر ..
كلمات لم تُقَل .
احتياجات لم تجد من يسمعها .
وأوجاع تراكمت عامًا بعد عام حتى تحولت إلى جدران فاصلة بين أفراد الأسرة الواحدة .
المشكلة أن معظم الناس يعتقدون أن الخطر يبدأ عندما تقع الأزمة الكبرى: الطلاق، أو الهجر، أو التمرد، أو الاكتئاب، أو الانهيار النفسي .
بينما الحقيقة أن هذه النتائج غالبًا ما تكون الفصل الأخير من قصة بدأت قبل سنوات طويلة .
بدأت عندما شعر أحد الطرفين أنه غير مرئي .
عندما اعتاد أحد الأبناء أن يخفي مشاعره خوفًا من السخرية أو العقاب .
عندما تحولت الحياة الزوجية إلى إدارة منزل فقط، واختفت منها المودة والاحتواء .
عندما أصبح كل فرد يعيش بجوار الآخر لا معه .
إن الإنسان لا ينهار فجأة .
بل يتآكل من الداخل بصمت .
ولهذا فإن أخطر ما يهدد الأسرة ليس الخلافات، بل تجاهلها .
وليس المشكلات، بل الهروب منها .
وليس الاختلاف، بل غياب الحوار .
فالأسرة الصحية ليست تلك التي لا تختلف أبدًا، وإنما تلك التي تعرف كيف تختلف دون أن تجرح، وكيف تتحاور دون أن تهين، وكيف تصلح ما أفسدته الأيام قبل أن يتحول الشرخ إلى فجوة .
نحن بحاجة إلى أن نعيد الاعتبار للحوار داخل بيوتنا .
أن نصغي أكثر مما نتكلم .
أن نفهم قبل أن نحكم .
أن نسأل أبناءنا عن مشاعرهم قبل أن نسألهم عن درجاتهم .
وأن نتذكر أن الإنسان قد ينسى كثيرًا مما قلناه له، لكنه لا ينسى أبدًا كيف جعلناه يشعر .
فالبيوت لا تُبنى بالطوب وحده …
بل بالكلمات الطيبة، والاحترام، والشعور بالأمان .
وحين يغيب الأمان النفسي من البيت، قد يبقى البناء قائمًا، لكن الأسرة من الداخل تكون قد بدأت في الانهيار .
د. سماح مصطفى
استشارى الإرشاد الأسري والتربوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط