أوراق في دفتر الوطن.. روشتة إنقاذ واصلاح للحياة السياسية المصرية بقلم/ الناقد و المحلل السياسى الكاتب الصحفي محمد بهلول (الناقد والمحلل السياسي)

0 12
تعيش مصر اليوم حالة من “السيولة الأيديولوجية” التي تجتاح العالم بأسره؛ فالقوالب السياسية الجامدة من يمين ويسار تداخلت بشكل لم نعهده من قبل، وبرزت البراغماتية والواقعية النفعية كآليات لإدارة الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية المعقدة في شتى بقاع الأرض.
وفي قلب هذا المشهد العالمي المتحرك، يقف المشهد السياسي والحزبي المصري أمام استحقاق تاريخي يفرض علينا —ككتّاب ومحللين— أن نضع الإصبع على موضع الداء، ليس من باب النقد لمجرد النقد، بل برؤية إصلاحية وطنية خالصة تستهدف بث الروح في جسد السياسة المصرية، بما ينعكس بالفائدة المباشرة على استقرار الدولة ومستقبلها.
إن المتابع للمشهد الحزبي في مصر يرصد مفارقة صارخة؛ فلدينا ما يقرب من مائة حزب رسمي مسجل، لكن الفاعلية الحقيقية على الأرض تكاد تكون غائبة أو منحصرة في مقار مغلقة أو نخب عاصمية معزولة عن نبض الشارع وأزماته.
هذه “التعددية العددية” لا تعني بحال من الأحوال “تعددية سياسية صحية”، بل هي أقرب إلى حالة من التفتت والضعف الذي يفرغ الحياة السياسية من مضمونها، ويحول الأحزاب إلى مجرد لافتات بلا قواعد جماهيرية حقيقية.
ولكي ننتقل بالحياة السياسية من مرحلة “الركود والجمود” إلى مرحلة “العافية والإنتاجية”، فإننا بحاجة إلى ثورة تشريعية وإجرائية عاجلة ترتكز على محاور رئيسية لا تقبل التجزئة:
أولاً: تقنين أوضاع الأحزاب وإصلاح البيئة التشريعية
البداية لا بد أن تكون من مراجعة شاملة وإصلاح جذري للتشريعات المنظمة لعمل الأحزاب السياسية, فمصر بحاجة إلى نصوص قانونية جديدة وحاسمة تضع ضوابط صارمة للاستمرار والوجود، وتدفع بقوة نحو “دمج الكيانات المتقاربة”.
ليس منطقياً أن نحمل عبء مائة حزب، بل يجب تقنين الأوضاع لتتحول هذه الفسيفساء المتناثرة إلى أربع أو خمس كتل برامجية كبرى واضحة المعالم (تمثل اليمين، والوسط البراغماتي، واليسار الاجتماعي، والليبرالية المدنية).
هذا التقنين سيخلق منافسة حقيقية ويجبر الأحزاب على النزول للشارع لكسب ثقة المواطن بدلاً من الاعتماد على الوجود الورقي.
ثانياً: تطهير الداخل ورفع القيود لتجفيف منابع “السيطرة الأمنية”
إن الانتقال نحو ممارسة سياسية حقيقية يتطلب شجاعة متبادلة بين الدولة والقوى السياسية.
ومن هنا، فإن الخطوة الأولى واللازمة هي تطهير العمل الحزبي بشكل حاسم من العملاء والخونة والمنتفعين الذين يبتغون هدم ركائز الدولة أو تنفيذ أجندات خارجية مشبوهة.
وحينما تكتمل هذه التصفية الوطنية، يصبح من الواجب والضرورة رفع كافة القيود عن حركة الأحزاب القانونية، وإيقاف عمليات السيطرة الأمنية المسبقة على أنشطتها ومجال عملها.
إن الأمن القومي لا يتحقق بكتم الأنفاس السياسية، بل بخلق بيئة آمنة تتحرك فيها الأحزاب الوطنية بحرية تحت مظلة الدستور والقانون، فالسياسة هي خط الدفاع الأول عن الدولة، والبديل عن غياب السياسة الشرعية هو الفوضى أو التطرف.
ثالثاً: الإعلام ومنصات العرض البرامجي
لا يمكن لأي إصلاح سياسي أن يثمر دون ذراع إعلامية تسانده, يجب على وسائل الإعلام القومية والخاصة أن تتخلى عن أسلوب التهميش أو التنميط للأحزاب، وتنتقل إلى مرحلة تسليط الضوء المكثف على البرامج والرؤى السياسية.
نريد مناظرات إعلامية جادة، ونقاشات مفتوحة تعرض فيها الأحزاب حلولها للأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية, هذا الحضور الإعلامي سيجعل المواطن حكماً وفرزاً، وسيخلق رأياً عاماً واعياً يدرك الفارق بين الحزب صاحب الرؤية، والحزب صاحب الشعارات الجوفاء.
ختاماً..
إن إصلاح الحياة السياسية في مصر من خلال تشريعات مرنة، ورفع للقيود، وتطهير للمناخ، وضخ دماء إعلامية جديدة، ليس ترفاً فكرياً ولا منحة تُعطى، بل هو ضرورة حتمية لحماية الأمن القومي المصري.
عندما تمتلك الدولة أحزاباً قوية، وطنية، وفاعلة، فإنها تصنع جدار حماية صلب في مواجهة التحديات الخارجية والداخلية، وتتحول التعددية حينها من مظهر شكلي إلى محرك تنموي وبناء ينعكس بالخير والاستقرار على الدولة المصرية ومؤسساتها العريقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط