أكرم الكراني يكتب: هل مهنة “بياع الجرايد” راحت عليها؟

0 251
بينما كنت أسير في شارع “البر الثاني” القديم بمحافظة السويس، تلك البقعة التي تحمل في طياتها عبق الذكريات، قادتني قدماي تلقائياً نحو “عم سمير”.
هذا الرجل لم يكن مجرد بائع للصحف، بل كان بمثابة “مكتبة متنقلة” وخزانة أسرار الحي، حيث كانت رائحة الورق الطازج تمتزج برائحة الصباح والقهوة.
اقتربت منه، ليس فقط لأشتري صحيفة، بل لأستعيد لحظة من الزمن الجميل, نظرت إلى الكشك الذي بدأت تتبدل ملامحه بفعل الزمن، فتساءلت في أعماقي: هل اندثرت حقاً مهنة بائع الصحف في مدينتنا؟
لقد كان كشك “عم سمير” يوماً ما ملتقى القراء، ومصدراً حياً للأخبار، ومكاناً تُعلّق فيه بوسترات المجلات والبرامج الإذاعية التي أصبحت الآن مجرد ديكور للذكريات على جدرانه الخشبية.
اليوم، ومع زحف التكنولوجيا الرقمية، أصبح المشهد يبعث على الشجن؛ فالكلمات المطبوعة لا تزال موجودة، لكن “الحالة” الإنسانية التي كان يخلقها عم سمير بابتسامته ودردشته الصباحية بدأت تخبو وتتوارى خلف شاشات الهواتف الباردة.
لقد قادني الحنين في ذلك اليوم للبحث عن رائحة الورق وصوت باعة الصحف الذين طالما شكلوا جزءاً لا يتجزأ من وجداننا.
رحت أمشي في منطقة “الأربعين” بالسويس، باحثاً بلهفة عن “كشك الفار”، ذلك الصرح الصغير الذي كان يجمع شتات الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية.
كانت خطوتي ثقيلة، يرافقها صدى ذكريات قديمة وصور باعة الصحف الذين رأيتهم في طفولتي في شوارع القاهرة القديمة.
لكن، ويا للأسف، لم أجد تلك الأكشاك الثلاثة أو الأربعة التي كانت تزين موقف الأوتوبيس القديم! كانت تلك الأماكن تنبض بالحياة، بضحكات الباعة ونظرات القراء المتلهفة للمنشيتات الرئيسية؛ والآن، لا أرى سوى جدران صماء وفراغ يثير الشجن.
ولم أستسلم، بل توغلت أكثر نحو “سوق الأنصاري”، حيث كان “عم محمود العطار” يحتل مكاناً مميزاً، ويبيع الصحف والمجلات بجوار مواد العطارة.
في الماضي، كانت رائحة الزعتر والكمون تمتزج برائحة الحبر الورقي، في مزيج فريد يجمع عبق الماضي بالحاضر.. لكنني لم أجده اليوم، ولم أعثر له على أي أثر.
إن جولتي لم تكن مجرد مشوار عابر لشراء جريدة، بل كانت وقفة حزينة أمام تراث حي يواجه النسيان.
فهل سنفتقد يوماً هذا الحوار العفوي مع بائع الصحف؟ أم أننا استسلمنا تماماً، وسنكتفي بقلب الصفحات عبر شاشات صماء؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط