عندما يتكلم الرويبضة بقلم: د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية

0 134

في زمنٍ تختلط فيه الأصوات، ويعلو فيه الجدل على العلم، يخرج علينا بين الحين والآخر من يدّعي أن الإسلام ليس خاتم الرسالات، وأن النبوة لم تُختَم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهي دعوى قديمة تتجدّد، لكنها في كل مرة تصطدم بنصوص الوحي، وإجماع الأمة، ومنطق التاريخ.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا الزمان، فقال: ” سيأتي على الناس سنوات خداعات؛ يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة قيل : وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة” (صحيح الجامع: 3650)، والرويبضة هو من يتصدر للحديث في القضايا الكبرى بغير علم ولا رسوخ.
ولا شك أن قضية ختم النبوة ليست مسألة ظنية أو قابلة للتأويل البعيد، بل هي نصٌّ صريح في كتاب الله، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رِّجَالِكُمْ، وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40].
فالآية واضحة في الدلالة، وقد أجمع المفسرون على أن معنى “خاتم النبيين” أي آخرهم، الذي خُتمت به سلسلة النبوة.
وجاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، طيبة بها أنفسكم، وأطيعوا أمراءكم تدخلوا جنة ربكم”، فقوله صلى الله عليه وسلم: ” إنه لا نبي بعدي”، نصٌّ قاطع لا يحتمل التأويل.
فإنكار ختم النبوة ليس مجرد رأي فقهي، بل هو مصادمة لنصوص قطعية الثبوت والدلالة، وخروج عن إجماع المسلمين.
إن من يزعم استمرار النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم، إما أن يدّعي وحيًا جديدًا، فيناقض بذلك القرآن، أو يتأول النصوص تأويلًا متكلفًا يفرغها من معناها، وفي كلا الحالين، فإن الأمر ليس بحثًا علميًا مجردًا، بل عبث بأصول الدين.
والعجيب أن هذه الدعوات غالبًا ما تستند إلى شبهات قديمة أعيد تدويرها، أو إلى تأويلات لغوية مبتورة، أو إلى دعاوى شخصية لا تقوم على برهان.
إن ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم ليس مجرد خبر، بل حكمة ربانية، فالإسلام جاء رسالةً عامةً للناس كافة، وشريعةً كاملةً صالحةً لكل زمان ومكان، قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ [المائدة: 3].
فإذا كان الدين قد اكتمل، والنعمة قد تمت، فما الحاجة إلى نبي جديد؟ إن القول باستمرار النبوة يتضمن – ضمنًا – اتهام الشريعة بالنقص، وهو ما يتنافى مع نصوص القرآن.

والخلاصة فإن الرد على من ينكر ختم النبوة لا يحتاج إلى جدل طويل، بل إلى تذكير بالنصوص الواضحة، وبإجماع الأمة عبر القرون، غير أن الخطر ليس في الشبهة ذاتها، بل في تصدّر غير المؤهلين للحديث في أصول العقائد، وبثّ الشكوك بين الناس.
وحين يتكلم الرويبضة، لا يكون العلاج بالصخب، بل بالعلم الراسخ، والبيان الهادئ، وإحياء منهج أهل السنة في فهم النصوص كما فهمها الصحابة والتابعون.
فالإسلام خاتم الرسالات، ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وهذه حقيقة ثابتة بنص القرآن، وصحيح السنة، وإجماع الأمة، لا يغيّرها جدل، ولا تهزّها دعوى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط