أمريكا وإيران ولعبة (البينج بونج) بقلم:الكاتب الصحفى محمد عثمان

0 49
يعيش العالم منذ انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران حالة من الفوضى والتخبط ممزوجة بالهدوء الذي يسبق العاصفة، وسط حالة من الثرثرة التي تاهت فيها الحقيقة.
وجد العالم نفسه يقف متفرجًا لا ناقة له ولا جمل أمام خصمين، كلٌّ منهما لديه مشروع للسيطرة، وانقسم العالم أمام هذه الحرب إلى معسكرين، كلٌّ منهما يؤيد طرفًا من أطراف الصراع.
ولأننا جميعًا ننتظر ما ستؤول إليه المباحثات الوهمية التي تجري بين الطرفين، والتي يتمسك كل طرف منهما بموقفه، فإننا لا نملك في هذه الحالة سوى استعراض نتائج الجولة السابقة من الحرب بين الطرفين، والتي يدّعي كلٌّ منهما أنه انتصر فيها.
الولايات المتحدة الأمريكية
مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر الخاسرين في هذه الحرب، فهي لم تحقق أي هدف من أهدافها المرجوة في الحرب سواء في تدمير اليورانيوم المخصب أو الصواريخ الباليستية في إيران أو إسقاط نظام الحكم هناك.
بالإضافة إلى الكثير من الخسائر المعلنة أو غير المعلنة التي لحقت بها سواء في المعدات أو الأفراد، كما أنها أثبتت فشلًا ذريعًا في حماية القواعد العسكرية في الخليج، وظهرت بمظهر الفأر المذعور الذي لا يستطيع حماية نفسه.
كما أن أمريكا فقدت جزءًا كبيرًا من احترام دول العالم بوصفها القطب الأوحد بعد الضربات الموجعة التي وجهتها لها إيران، بالإضافة إلى الانقسام الواضح داخل المجتمع الأمريكي ما بين مؤيد ومعارض للحرب، الذي أحدث شرخًا كبيرًا داخل المجتمع، ولا يخفى على أحد أن التضخم الأمريكي ارتفع بمعدل كبير نتيجة غلق إيران لمضيق هرمز والتكاليف المكلفة للحرب، مما أدى إلى انقلاب الكثير من الشعب الأمريكي على الرئيس ترامب.
إسرائيل
يردد الكثيرون أن إسرائيل هي أكبر المستفيدين من هذه الحرب، ولكن الواقع يختلف كثيرًا، فالصواريخ الإيرانية التي وصلت إلى عمق الدولة العبرية وألحقت بها الكثير من الأضرار، وأثبتت فشل إسرائيل في حماية نفسها وفشل مشروع القبة الحديدية.
وأن إسرائيل بها الكثير من الثغرات التي يمكن من خلالها تهديد أمنها القومي، كما أن إسرائيل فشلت في تحقيق حلمها بالقضاء على إيران وتحقيق مشروعها التوسعي، مما أحدث تغييرًا كبيرًا في المنطقة، وبالطبع ليس لصالح إسرائيل.
كما أنه من الملاحظ أنه على عكس العادة ظهر الكثير من الأصوات المضادة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة الأمريكية، التي رأت أن إسرائيل ورطت ترامب في هذه الحرب، وأن إسرائيل لا تعمل سوى مصلحتها الشخصية بصرف النظر عن مصلحة الآخرين.
دول الخليج
رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بدول الخليج نتيجة الصواريخ الإيرانية سواء في الأفراد أو المعدات أو البنية التحتية، بالإضافة إلى التأثر الكبير الذي لحق بصادرات دول الخليج وخاصةً النفط بعد إغلاق مضيق هرمز,أحدث موجة من التضخم لم تشهدها هذه البلاد من قبل.
إلا أن الفائدة الكبرى التي أظهرتها هذه الحرب أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست قادرة على حماية دول الخليج، بل هي في حاجة إلى من يحميها، وتجلى ذلك في ظهور المحور الإسلامي الجديد الممثل في مصر والسعودية وتركيا وباكستان، كما أن البعض ردد اسم إيران في هذا المحور، وهي خطوة إن حدثت ستمثل انقلابًا خطيرًا في موازين القوة في المنطقة.
إيران
أظهرت إيران قدرة فائقة في إدارة هذه الأزمة سواء من الناحية العسكرية أو السياسية، ورغم أن الجميع توقع الانتصار الأمريكي الإسرائيلي الكاسح في هذه الحرب نظرًا للفوارق العسكرية الكبيرة بين الطرفين، إلا أننا جميعًا يجب أن نعترف أن إيران غيرت الكثير من المفاهيم العسكرية والسياسية.
ورغم الدمار الهائل الذي لحق بإيران في أول أيام الحرب سواء في تدمير القوى العسكرية أو البنية التحتية أو اغتيال المرشد العام ومجموعة من أكبر القادة في الدولة سواء عسكريين أو سياسيين، إلا أن إيران نجحت في تدارك الموقف وقلب الطاولة على الجميع، وأظهرت قدرة فائقة على إلحاق أكبر الضرر بالمصالح الأمريكية الإسرائيلية.
وشاهد العالم الدمار الذي لحق بحاملة الطائرات USS Abraham Lincoln، وهي واحدة من أكبر حاملات الطائرات في العالم، وكذلك الضرر الكبير الذي لحق بالقواعد الأمريكية في دول الخليج.
كما أظهرت براعة سياسية كبرى باللعب بورقة مضيق هرمز، وهي الورقة التي لم تكن في حساب أحد، وأحدثت دويًّا هائلًا في اقتصاد العالم ككل، ولا يعرف أحد ماذا ستسفر عنه الأحداث.
روسيا
هي الفائز الأكبر في هذه الحرب، فالجميع انصرف عن روسيا وعن حربها الدائمة ضد أوكرانيا منذ أكثر من أربع سنوات إلى حرب أمريكا وإيران، وأصبحت تصول وتجول داخل الأراضي الأوكرانية دون التفات من أحد.
كما أنها بوقوفها العسكري مع إيران أظهرت العين الحمراء لأمريكا، وأنها لا تزال قوةً كبرى تمتلك العديد من الأسلحة المتطورة التي وقفت أمام الأسلحة الأمريكية وأحدثت تغيرًا كبيرًا في الحرب، كما أنها أثبتت للعالم فشل نظرية القطب الأوحد، وأن العالم في حاجة إلى عالم متعدد الأقطاب.
وفي النهاية
لا نملك سوى الجلوس في مقاعد المتفرجين انتظارًا لقرار القوتين الذي يبدو أنه مرحلة ما قبل الإنفجار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط