عاشوراء.. يومٌ واحد يمحو ذنوب عام بقلم: د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية

0 2
في زمنٍ تتسارع فيه الأيام وتتزاحم فيه المشاغل، تمر على المسلمين مواسم إيمانية عظيمة تحمل من النفحات والبركات ما يُعيد للقلب صفاءه وللروح إشراقها.
ومن أعظم هذه المواسم يوم عاشوراء، ذلك اليوم الذي جمع بين ذكرى النصر الإلهي لعباده المؤمنين وبين فضلٍ عظيم جعله الله سببًا لمغفرة الذنوب وتكفير الخطايا.
ليس يوم عاشوراء يومًا عاديًا في سجل الأيام، بل هو يوم ارتبط بحدثٍ خالدٍ بقيت ذكراه حاضرةً عبر القرون. ففيه أظهر الله قدرته، وأنجى نبيه موسى عليه السلام ومن معه من المؤمنين، وأغرق فرعون الذي تجبّر وطغى في الأرض.
وحين قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجد اليهود يصومون هذا اليوم، فلما سألهم عن سبب صيامهم أخبروه أنه يوم نجّى الله فيه موسى وقومه من عدوهم، عندها أعلن النبي صلى الله عليه وسلم موقفًا يحمل دلالات عقدية عميقة فقال: “نحن أحق بموسى منكم” (متفق عليه)، فصامه وأمر بصيامه، تأكيدًا لوحدة رسالة الأنبياء، وأن طريق الإيمان واحد وإن تعددت الأزمنة والأقوام.
عبادة يسيرة.. وأجر عظيم
ومن رحمة الله بعباده أن جعل أبواب الخير كثيرة، ومن أعظمها صيام يوم عاشوراء، فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامه فقال: “أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله” (رواه مسلم)، فأي فضل أعظم من أن يجعل الله صيام يوم واحد سببًا في محو ذنوب عامٍ كامل من الصغائر؟
إنها رسالة ربانية تؤكد أن رحمة الله أوسع من تقصير العباد، وأن أبواب المغفرة تظل مفتوحة لمن أقبل على الله بقلبٍ صادق ونفسٍ راغبة في الخير.
عاشوراء.. درس في الثبات والانتصار
ولا تقتصر قيمة عاشوراء على الأجر المترتب على صيامه، بل تمتد إلى ما يحمله من معانٍ تربوية وإيمانية عميقة، فنجاة موسى عليه السلام لم تكن مجرد حادثة تاريخية، وإنما إعلان متجدد بأن قوة الحق لا تُقاس بعدد أتباعه، وأن المؤمن قد يواجه الشدائد والابتلاءات، لكن عاقبته إلى خير إذا صدق مع الله.
لقد وقف موسى عليه السلام أمام البحر وخلفه جيش فرعون، في مشهدٍ تبدو فيه أسباب النجاة منعدمة، لكن اليقين بالله كان أعظم من كل الحسابات المادية، فجاء الفرج من حيث لا يحتسب البشر.
وهكذا يعلّمنا عاشوراء أن الأزمات مهما اشتدت، والظروف مهما تعقدت، فإن رحمة الله أقرب مما يتصور الإنسان.
ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه أراد أن يتميز المسلمون في عباداتهم وشعائرهم، فقال في آخر حياته: “لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع، والعاشر” (رواه مسلم)، ولهذا استحب العلماء صيام التاسع مع العاشر، تحقيقًا للسنة ومخالفةً لأهل الكتاب.
ومع ما يحمله هذا اليوم من فضل، فإن المشروع فيه هو الصيام والإكثار من الطاعات والذكر والدعاء.
أما ما أحدثه بعض الناس من مظاهر لا أصل لها في الشرع، من احتفالات أو ممارسات خاصة أو شعائر مبتدعة، فكل ذلك لا يمت إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم بصلة.
فالخير كل الخير في اتباع السنة، والنجاة كل النجاة في الاقتداء بالهدى النبوي.
وختاما أيها القارئ الكريم اعلم رحمني الله وإياك: أن يوم عاشوراء سيبقى شاهدًا على حقيقة لا تتغير، وهي أن الله ينصر أولياءه، ويجعل بعد العسر يسرًا، وبعد الكرب فرجًا، وهو في الوقت نفسه فرصة سنوية ثمينة يمنحها الله لعباده ليتخففوا من أوزارهم ويجددوا صلتهم بربهم.
وفي عالمٍ يثقل كاهل الإنسان بالهموم والانشغالات، يأتي عاشوراء ليذكرنا بأن أبواب الرحمة ما زالت مفتوحة، وأن يومًا واحدًا من الصيام قد يكون سببًا في مغفرة ذنوب سنة كاملة.
فطوبى لمن اغتنم هذا الموسم المبارك، وأحيا يومه بالصيام والطاعة والذكر، راجيًا ما عند الله من الأجر والثواب، وموقنًا بأن وعد الله حق، وأن رحمته سبقت غضبه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط