المهندس أحمد بهلول يكتب: هندسة العطش أم هندسة الردع؟.. الأمن المائي العربي بين لغة الأرقام ومعادلة القوة
في لغة الهندسة، لا توجد مساحة للعواطف؛ فالنتائج تُبنى على مدخلات دقيقة ومعادلات واضحة, وعندما نُطبق هذه القاعدة على “الأمن المائي العربي”، نجد أنفسنا أمام معادلة صفرية شديدة الخطورة.
فبينما تتسابق العقول الهندسية العربية لابتكار حلول لتقليل الفاقد وتدوير المياه، تبرز حقيقة سياسية قاسية: “إن ما تبنيه مساطر المهندسين، قد تهدمه غطرسة السياسيين في دول المنبع ما لم تسنده قوة تحميه”.
أرقام لا تكذب: الواقع المائي تحت المجهر
إذا نظرنا إلى خارطة الوطن العربي من منظور “هيدرولوجي”، سنكتشف أننا نعيش في “منطقة حرجة”؛ فأكثر من 80% من مواردنا المائية المتجددة تأتي من خارج حدودنا السياسية, وهندسياً، نحن نتحدث عن “نظام مفتوح” يتحكم غيرنا في صمامات أمانه.
ومع وصول حصة الفرد العربي من المياه إلى ما دون “خط الفقر المائي” العالمي (أقل من 1000 متر مكعب سنوياً)، تصبح المشكلة ليست مجرد نقص موارد، بل هي “هندسة تعطيش” ممنهجة تُمارس في إثيوبيا وتركيا وغيرهما تحت ستار مشروعات التنمية.
المواجهة التقنية: هل تكفي الحلول الهندسية الداخلية؟
لقد بذلت الدولة المصرية، ودول الخليج، جهوداً هندسية جبارة؛ فمن تبطين الترع والري الحديث، إلى محطات معالجة مياه الصرف الضخمة، وصولاً إلى محطات التحلية التي تستهلك مليارات الدولارات في الخليج.
لكن كمراقب هندسي، أقولها بوضوح: هذه الحلول هي “إدارة للأزمة” وليست “حلاً لها”, إنها محاولات لتعظيم الاستفادة من “المتاح”، لكنها لا تضمن “استدامة التدفق”, فالتحلية هي رهينة لتكنولوجيا مستوردة وطاقة مكلفة، ومعالجة المياه لها سقف هندسي لا يمكن تجاوزه.
تكامل الرؤية: من “نصر علام” إلى الواقع الميداني
هنا يلتقي الطرح الهندسي مع الرؤية الاستراتيجية التي نادى بها الدكتور محمد نصر علام؛ فحماية “الأمن المائي” لا تبدأ من محطات التحلية، بل تبدأ من قدرتنا على “الردع” عند منابع المياه, إن أي مشروع مائي عربي – مهما كان ضخماً ومكلفاً – يظل هدفاً استراتيجياً هشاً في ظل غياب مظلة أمنية تحميه.
إن حاجتنا لـ “ناتو عربي” أو قوة عسكرية مشتركة ليست مجرد “خيار سياسي”، بل هي ضرورة هندسية لتأمين المنشآت الحيوية (محطات التحلية، السدود، القناطر) من أي استهداف سيبراني أو تخريبي يهدف لزعزعة استقرار الدول العربية عبر سلاح العطش.
خارطة الطريق: نحو “سيادة مائية” شاملة
إننا في “بوابة الطريق البديل” نؤمن بأن الحل يجب أن يكون شمولياً:
-
هندسة التصنيع: التوقف عن استيراد تكنولوجيا التحلية والبدء في توطينها عربياً، لضمان عدم تعرضنا لـ “ابتزاز تقني” في وقت الأزمات.
-
التنسيق الاستخباري والمعلوماتي: تبادل البيانات حول المخاطر المائية العابرة للحدود.
-
تفعيل سلاح المال والسياسة: كما أشار د. علام، يجب أن تُوظف الاستثمارات العربية لتكون ورقة ضغط على دول المنبع، بحيث يدرك الجميع أن “المساس بقطرة ماء عربية” يعني دفع أثمان اقتصادية وسياسية باهظة.