محمد بهلول يكتب: بين استقرار الحكم وجمود السلطة .. “ترزية القوانين” وفخ الست سنوات

0 288

في أروقة السياسة، يُقال إن الدستور هو “عقد اجتماعي” لا يجب المساس ببنوده إلا لضرورة قصوى تخدم مجموع الشعب.

لكن في منطقتنا، غالباً ما يتحول الدستور إلى مادة مرنة في يد “ترزية القوانين” الذين يصيغون المواد على مقاس المرحلة، لا على مقاس الوطن.

ولعل التعديل الذي طال مدة الرئاسة ليمددها من 4 سنوات إلى 6 سنوات يمثل نقطة تحول جوهرية تستحق الوقوف أمام تداعياتها بعين فاحصة.

عند النظر إلى أعرق الديمقراطيات، نجد أن النظام الأمريكي استقر على مدة 4 سنوات (قابلة للتجديد مرة واحدة فقط), هذه المدة لم تكن وليدة الصدفة، بل قامت على فلسفة “الحساب والرقابة”, بحيث يتم الآتى:

تجديد الدماء: الأربع سنوات تجبر الرئيس على تقديم نتائج ملموسة سريعة ليحظى بثقة الناخب مجدداً.

الخوف من الجمود: إطالة الأمد تؤدي غالباً إلى ترهل الجهاز الإداري, وتغول “الحاشية” التي تستفيد من بقاء الوضع كما هو عليه.

منع الاحتكار: قصر المدة يضمن ألا تتحول السلطة إلى ملكية خاصة، ويجعل التداول السلمي للسلطة ثقافة مجتمعية وليس مجرد نص قانوني.

ويرى المدافعون عن مدة الست سنوات أنها تمنح الرئيس فرصة لاستكمال “المشاريع القومية” الكبرى, التي قد لا تظهر ثمارها في 4 سنوات, لكن الواقع السياسي يقول إن هذا التمديد يحمل في طياته تداعيات خطيرة:

كما أنه كلما طالت المدة، ضعف شعور المسؤول بضغط “صندوق الانتخابات”، مما قد يؤدي إلى تراخي في الاستجابة للمطالب الشعبية العاجلة, فإطالة المدة تقتل طموح الكوادر السياسية الشابة في المنافسة، وتؤدي إلى حالة من الركود في الحياة الحزبية.

إن الخطورة الحقيقية لا تكمن في الـ 6 سنوات بحد ذاتها، بل في “كسر حاجز” الدستور؛ فبمجرد نجاح “ترزية القوانين” في تعديل مادة المدة، يُفتح الباب أمام تعديلات أخرى قد تمس عدد الفترات نفسها، مما يكرس لسيادة الفرد لا المؤسسة.

المشكلة ليست فقط في النص القانوني، بل في “النخبة” التي تبرر هذه التعديلات وتجملها, فهؤلاء يسوقون دائماً لمبدأ “الضرورة” و”الاستثناء”، متناسين أن استقرار الأوطان يأتي من استقرار قوانينها وقدرتها على إفراز بدائل.

التعديل الذي يبدأ بزيادة سنتين، قد ينتهي ببحث عن مخارج دستورية تشرعن “البقاء الأبدي”، وهو ما يعيدنا إلى المربع الأول من المركزية المطلقة التي تجاوزها الزمن.

إن العودة إلى فلسفة “المدد القصيرة” (4-5 سنوات) تحقق توازناً مفقوداً, حيث تقوم بتنشيط الدورة الدموية للجهاز التنفيذي, مع إجبار السلطة على الشفافية الدائمة لكسب الرضا الشعبي, ومنع نشوء مراكز قوى موازية داخل مؤسسات الدولة تعتاش على طول بقاء رأس السلطة.

إن الدساتير التي تُكتب لخدمة اللحظة الراهنة غالباً ما تتعثر في اختبار المستقبل, فقوة الدولة لا تكمن في طول مدة بقاء حاكمها، بل في قوة مؤسساتها وقدرتها على استبدال الوجوه دون أن تهتز الأركان.

إن الرهان على “ترزية القوانين” هو رهان خاسر، لأن الأثواب التي يخيطونها سرعان ما تضيق على طموحات الشعوب التواقة للتغيير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط