محمد بهلول يكتب: ترقيع الدستور ..حين يتحول العقد الاجتماعي إلى “ثوب” يُفصل حسب الحاجة

0 203

لم يكد يجف حبر القسم الدستوري الذي ردده أعضاء مجلس النواب، حتى بدأت تتصاعد في الأفق همسات – سرعان ما ستتحول إلى صرخات – تنادي بضرورة “تعديل الدستور” مجدداً, وبينما يرى البعض أن الوثيقة الدستورية هي “عقد اجتماعي” مقدس لا يجوز العبث بمدده، يبرز تيار آخر، يلقبه الشارع بـ “ترزية القوانين”، يرى في الدستور مادة مرنة قابلة للقص واللصق بما يتوافق مع “ضرورات المرحلة”.

كما أشار الكاتب عمار علي حسن مؤخراً، فإن احترام الدستور ليس مجرد طقس احتفالي أو كلمات تُنطق في قاعة البرلمان؛ بل هو سلوك سياسي يضمن ألا يكون القانون وسيلة لتفريغ الدستور من مضمونه.

إن الخطر الحقيقي الذي يواجه التجربة السياسية المصرية الآن هو تحويل الدستور إلى “نص يُقرأ بينما تطبيقه معطل”، أو الأسوأ من ذلك، تعديله كلما اقتربت نهاية ولاية رئاسية، مما ينسف فكرة “تداول السلطة” من أساسها.

ففي عام 2019، شهدت مصر تعديلات دستورية جوهرية مدت فترة الرئاسة من 4 إلى 6 سنوات، وسمحت للرئيس الحالي بالترشح لفترة ثالثة استثنائية تنتهي في عام 2030, حينها، كان المبرر هو “استكمال المشروعات” و”تثبيت أركان الدولة”, والآن، ومع اقتراب الاستحقاقات القادمة، يبدو أن ماكينة “الترزية” بدأت في الإحماء مجدداً، متجاهلة أن المادة (226) من الدستور نفسه تحظر تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية ما لم يكن التعديل متعلقاً بتقديم “مزيد من الضمانات”.

إن اللجوء إلى “التفاصيل الكثيرة التي تسكنها الشياطين” – بتعبير عمار علي حسن – لشرعنة البقاء في السلطة، يخلق حالة من السيولة الدستورية التي تفقد المواطن ثقته في القانون, فإذا كان الدستور يتغير كل بضع سنوات ليلائم شخصاً أو ظرفاً، فإنه يتحول من “سياج يحمي الدولة” إلى “ثوب يُفصل على مقاس الحاكم”.

إن الدولة القوية هي التي تحترم دساتيرها حتى في أصعب الظروف، والرهان اليوم ليس على قدرة “المشرعين” على صياغة مخرج قانوني جديد، بل على مدى احترام “روح الدستور” التي تقتضي أن يكون القانون خادماً للنص الدستوري لا وسيلة للالتفاف عليه. احترام الدستور يجب أن يكون “ساهراً لا ينام”، يمنع تغول السلطة ويضمن للأجيال القادمة أن الصندوق هو الحكم، وأن النص الدستوري ليس مجرد “وجهة نظر” قابلة للتغيير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط