دكتور جمال عبد الناصر يكتب …. الأَقَدارُ تَجري، وأنت لا تَدّري
نخط بالأقلام بوح الروح من تباريحٍ تبوح بِكلامٍ صريح، صحيح يغني عن التلميح، ومن غير تجريح لتجري مع ريحِ الصباح كأريجٍ عاطر مُريح للروح، مثل روائح الريحان، تحُور تحمل عبير الأزهار من أجمل الأفكار حول القضاء والقدر؛ فالأقدار تجري بنا، ونحن لا ندري، ما سوف يجري؛ و لا أحد يدري ما سيأتي؛ وحتى سيدنا رسول الله ﷺ يقول:” واللهِ ما أدري وأنا رَسولُ اللهِ ما يُفعَلُ بي ولا بكُم!”. فلا أحد منا يعلم ما يُخفِّيهِ له القدر، وماذا سيحدث معه غدًا، أو في المستقبل المنظُور، بل لا يعلم ما سيحدث له بعد ثواني معدودات!؛ والدليل على ما فات من تلك الكلمات؛ فكم من صحيح فجأة من غير علةٍ مات؛ وكم من عريسٍ قُبضت روحه يوم زفافهِ؛ “وكان أمرُ الله قدرًا مقدورًا”، وقد كان قبل دقائق معدودات سليمًا مُعافًا، وفرحًا مسرورًا؛ وكانت ترتفع منهُ، ومن أهله، وأحبابه الأهازيج والدبكات، وصوت الغناء، والضحكات، ولكنه فجأة سكت، وصمت قلبهُ، ومات، وتوقفت دقات نبض قلبه وسكتت وصمتت معها النبضات! وانكفأت الضحكات؛ وتحولت إلى صيحاتٍ، وأهاتٍ، ودمعات وحلت بأهل الفرح الترح، والحزن، والكوارث، وأعظم المصيبات؛ وفي مُعترك الحياة تقع أحيانًا بعض النوائب، والكُربات، ومنها فقد الأبناء، فتصدر من بعض الأمهات المكلومات الصرخات، وقد ارتفعت من بعضهن بالنحيب الأصوات على فقد الأبناء، ويشاطرهن الأحزان بعض الأخوات من الخالات والعمات؛ وبعضهن يغُمى عليهن فلا يَّتَحَمَلنْ صعوبة الصدمات؛ لأن خبر موت الفجأة يكون كالصعقة الكهربائية القاتلة، والتي تركت على وجوههن أثر حزين، وتجاعيد في الوجه وكأنه تلقى سيلاً من الكمات والكدمات فتسببت لهن بالحسرات والانكسارات بمصيبة رحيل عزيز عليهن فجأة قد مات !؛ ولكنها الحقيقة التي ربما نغفل عنها جميعًا بأن الحياة الدنيا متاع الغرور ، ودار ممر، لا دار مقر. وإن أجالنا فيها مقدرة، ومكتوبة، يقول سبحانه وتعالى:” “إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ” “؛ فمن جاءت وحانت منيتهُ سوف يدركهُ الموتُ لا محالة، ولو كان في بروج مشيده، قال تعالى: ” وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ”؛ فلكل إنسان أجل معلوم، ووقت مقسوم، وقدرٌ مقدر حينما يأتي الموت فلا مفر منهُ يقول تعالى:﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً، وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾؛ “ومن نزلت بساحتهِ المنايا فلا أرضٌ تَقيهِ ولا سماءُ”؛ ولا ينفع معه طبُ، ولا دواءُ، فلا من الموت شفاء، وأما من وقع عليه الموت وهو مؤمن فلا خوفُ عليهِ بعد الموت، ولا شقاء، ولا هم يحزنون؛ ولن يرجع للحياة الدنيا مرة أُخرى، ولو قيل فيه كل قاصد المدح، والرثاء، بأعظم الكلمات!. ولقد أبصرنا في الملاعب الدولية لاعب كرة قدم شَابْ كان يجري في الملعب بكل قوة، واقتدار، ويجرى خلف الكرة وفجأة جاء القدر ، وبدأ بالاحتضار ، والتشنج ثم مات!؛ والحياة لم، ولن تتوقف بموت أحد؛ كائن من يكون – فالكل منا سيموت، ولو كان ذو قوة، وسلطانٍ، وجبروت يومًا ما سيموت؛ وكل ما فات مات، وأغلب من مات صار رفات. وأصبح من الماضي، والذكريات؛ وإن أعظم مصيبات الموت تكون بفقدان البيت لأيقونة، وجنة الدار، والديار والدنيا، والعمار الأم!؛ فالأمهات هن المؤنسات الغاليات، وخاصة المؤمنات المسلمات السيدات الأميرات العظيمات المربيات الفاضلات الخاشعات الصابرات المُحتسبات المتصدقات الماجدات؛ فتحت أقدامهن الجنات، وبموتهن تخرب الديار، وتحل النوائب، والمصيبات.
وترى في الدنيا العجائب من بعض الناس الفجرة الكفرة ومن بعض التجار الفجار وأدعياء الوطنية والدين من الدجالين وبعض أباطرة السلطة والمال من الظالمين ممن يحيون في الدنيا بكل غُلو وعُلوْ وكبرٍ ويقضون أغلب الأوقات بالشاليهات وينامون في سُباتْ ويظلمون الناس وهُم عن ذكرهم للأخرة تحسبهم أحياءٌ ولكن قلوبهم أموات!!. والبعض الأخر يحذر الآخرة، ويرجو مغفره ربه ويحسن الظن بالله؛ ويعمل الخيرات، و لهم طلع نضيد، وتنبثُ أعمالهُ الصالحة، وتنمو كأجمل النبات، والبنات؛ واللبنات؛؛ وقد يحزن بعض الأزواج حينما يُبشر وقت الميلاد في البنات!. وفي ذلك ليس مصيبة واحدة بل مصيبات؛ لأنهُ اعترض على قدر الله، وقضاءه؛ وإن عدم الرضا، والجزع يكسبهُ المهلكات، وأسوأ السيئات؛ ويباعدهُ عن الحسنات؛ فكيف يعترض على من قال فيهن خير الثقلين رسول الله ﷺ: «لا تكرهوا البنات فإنهن المؤنسات الغاليات»؛ وختامًا فإن قدر الله وقضاءهُ نافذ، وأمرهُ بين الكافِ والنون كُن فيكون. ولا أحد منا يعلم الغيب إلا الله جل جلاله؛ وما تدري نفسٌ ماذا تكسبُ غدًا، وما تدري نفسٌ بأي أرضٍ تموت؛ فيا أيها الناس احذروا الدنيا!؛ فإن أغلب الناس قد ضيعوا الصلوات، وضُّيِعت الأمانات، ووسد الأمر لغير أهله، وانتشرت المعازف، والخمور، والغانيات، وكثرت الموبقات المهلكات، والأمور المفسدات، وخرجت النساء للأسواق، وشاركت الرجال في كل المهمات؛ ومن الصحيح أن لا تنسى نصيبك من الدنيا، ولكن اعلم بأن الأَقَدارُ تَجري، وأنت لا تَدّري.
الأستاذ الدكتور/ جمال عبد الناصر أبو نحل
عضو نقابة اتحاد كُتاب وأدباء مصر، رئيس المركز القومي لعلماء فلسـطين
رئيس الإتحاد العام للمثقفين، والأدباء، والكتاب، والأكاديميين بفلسطين
