حين تختل معايير القدوة.. صناعة النجومية الزائفة وتغييب الوعي! بقلم: د. جيلان العزايزي

0 45
لا تُهدم الأوطان بالحروب والمخططات الخارجية وحدها، وإنما قد يبدأ انهيارها الحقيقي من الداخل، حين تختل معايير التقدير في المجتمع، وتتراجع قيمة العلم والمعرفة والعمل والإنتاج، لصالح ثقافة الشهرة والنجومية، وحين تتحول بعض الشخصيات العامة إلى نماذج تتجاوز مكانتها حدود إنجازها، بفعل تضخيم إعلامي ومؤسسي يجعل من الشهرة معيارًا للنجاح، ومن التصفيق دليلًا على العظمة.
إن الأزمة التي تستحق التوقف أمامها اليوم ليست أزمة لاعب كرة قدم، ولا خلافًا بين نجم ومدرب، بل أزمة أعمق تتعلق بتشكيل وعي الأجيال الجديدة، وبالرسائل التي تقدمها المؤسسات التعليمية والإعلامية للشباب عن معنى النجاح، ومفهوم القدوة، والقيمة الحقيقية للإنجاز الوطني.
فالأمم التي تعرف قدر نفسها لا تخلط بين الشهرة والقيمة، ولا تجعل من النجومية بديلًا عن العلم، ولا تسمح بأن تطغى صورة المشاهير على نماذج العطاء الحقيقي التي صنعت تاريخها وحضارتها.
المناهج التعليمية.. من يختار قدوات الأجيال؟
تبدأ القضية من داخل المؤسسات التعليمية، وتحديدًا من المناهج التي تشارك في تشكيل وجدان الطفل وتحديد أولوياته.
ففي منهج اللغة العربية للصف الأول الإعدادي، الفصل الدراسي الأول، وتحديدًا في الوحدة الثانية «أصنع مستقبلي»، يأتي درس القراءة الثالث تحت عنوان «بطولات مصرية»، ويقدم ثلاثة من لاعبي الرياضة المصرية هم محمد صلاح، وعلي فرج، وأحمد الجندي.
وهنا لا نتحدث عن ظهور عابر لشخصية رياضية في وسائل الإعلام، وإنما عن اختيار تربوي رسمي لشخصيات تقدم للطلاب في مرحلة عمرية تتشكل فيها مفاهيمهم عن النجاح والتميز والقدوة.
ولنكن واضحين: لا أحد ينكر قيمة الإنجازات الرياضية التي حققها هؤلاء الأبطال، ولا يقلل من الجهد والتدريب والمثابرة التي يتطلبها الوصول إلى منصات التتويج. فالرياضة جزء أصيل من قوة المجتمع، والرياضي المتميز يستحق التقدير والاحتفاء.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه واضعو المناهج هو: هل يكفي الإنجاز الرياضي وحده لتقديم صاحبه باعتباره نموذجًا للقدوة الوطنية؟ وهل تحقق المناهج التوازن المطلوب بين النماذج الرياضية والعلمية والفكرية والإنسانية؟
أين المساحة التي ينبغي أن يحتلها علماء مصر ومفكروها ومبدعوها في وجدان الأجيال؟ أين الدكتور أحمد زويل، والدكتور مجدي يعقوب، وأديب نوبل نجيب محفوظ، وغيرهم من أصحاب الإنجازات العلمية والفكرية التي غيرت حياة البشر ورفعت اسم مصر؟
صحيح أن المنهج يتضمن نماذج علمية أخرى، منها الدكتور أحمد زويل في نص الاستماع، وابن النفيس في نص القراءة، لكن القضية ليست غياب هذه النماذج تمامًا، وإنما مدى التوازن في الاختيار والتقديم، ومدى وضوح الرسالة التي تصل إلى الطالب بشأن تعدد ميادين التفوق وأهمية كل منها.
إن بناء وعي الأجيال لا يتحقق بتقديم نموذج واحد للنجاح، وإنما بتعريفهم بأن الوطن يحتاج إلى العالم والطبيب والمهندس والمعلم والباحث والمخترع والعامل الماهر، مثلما يحتاج إلى الرياضي المتميز.
فالقدوة لا تُصنع بالشهرة، ولا تُقاس بعدد المتابعين أو بحجم العقود المالية، وإنما بما يقدمه الإنسان من قيمة حقيقية، وبما يمثله سلوكه من نموذج إيجابي للأجيال.
وهم الإنجاز الحضاري.. هل تكفي النجومية لبناء الأوطان؟
لقد أصبحنا نشهد خلطًا واضحًا بين الإنجاز الفردي والإنجاز الوطني، حتى بات نجاح لاعب محترف في الخارج يُقدم أحيانًا وكأنه إنجاز حضاري شامل للدولة والمجتمع.
والحقيقة أن التفوق الرياضي إنجاز يستحق الاحترام، وقد يكون مصدر إلهام للأجيال، لكنه يظل مجالًا من مجالات النجاح، ولا ينبغي أن يتحول إلى المقياس الوحيد الذي نقيس به تقدم الأمم.
فالأوطان لا تُبنى بالملاعب وحدها، ولا تتقدم بالبطولات الرياضية فقط، وإنما تُبنى بالبحث العلمي، والصناعة، والتعليم، والاقتصاد، والثقافة، والقدرة على الابتكار والإنتاج.
إن العالم الذي يكتشف علاجًا لمرض مستعصٍ، والباحث الذي يقدم اختراعًا يخدم البشرية، والطبيب الذي ينقذ آلاف الأرواح، والمعلم الذي يصنع أجيالًا واعية، جميعهم يقدمون إنجازات وطنية لا تقل قيمة عن أي بطولة رياضية.
ولا يعني ذلك التقليل من شأن الرياضيين، وإنما وضع كل إنجاز في حجمه الطبيعي، حتى لا تتحول النجومية إلى حالة من التقديس، ولا يصبح صاحب الشهرة بمنأى عن النقد والمساءلة.
محمد صلاح.. بين الإنجاز الرياضي وحدود النجومية
يمثل محمد صلاح نموذجًا واضحًا لهذه الإشكالية؛ فلا أحد يستطيع إنكار ما حققه من نجاحات احترافية، أو ما وصل إليه من مكانة في كرة القدم العالمية، أو ما أسهم به في رفع حضور اللاعب المصري على الساحة الدولية.
لكن الاعتراف بهذه الإنجازات لا يعني أن يتحول اللاعب إلى شخصية فوق النقد، أو أن تصبح مكانته الرياضية مبررًا لتجاوز القواعد المؤسسية، أو أن يُعامل باعتباره أكبر من المنتخب الذي يحمل شعاره.
فالمؤسسات لا تُدار بمكانة الأفراد، مهما بلغت نجوميتهم، وإنما بالقواعد واللوائح والالتزامات المتبادلة.
وقد أثارت واقعة استبدال محمد صلاح خلال مباراة المنتخب أمام أنجولا، ثم عدم مشاركته في المباراة التالية أمام جنوب السودان بسبب أرضية الملعب الصناعية، جدلًا واسعًا في الأوساط الرياضية والإعلامية.
ورغم إعلان اتحاد الكرة أن قرار إراحة اللاعب كان متفقًا عليه مسبقًا بين الجهاز الفني وصلاح، فإن الواقعة فتحت بابًا للنقاش حول طبيعة العلاقة بين نجوم المنتخب والمؤسسة الرياضية، وحدود التعامل مع أصحاب المكانة الجماهيرية الكبيرة.
فالمشكلة ليست في حماية لاعب من الإصابة، فهذا حق مشروع، وإنما في ضرورة أن تكون القرارات واضحة، وأن تكون قواعد التعامل مع جميع اللاعبين قائمة على معايير مؤسسية لا تتغير تبعًا للأسماء والشهرة.
ثم جاءت زيارة هاني أبو ريدة، رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم، إلى تركيا ولقاؤه محمد صلاح، لتفتح بابًا جديدًا للتساؤلات.
فقد كشف الإعلامي أحمد شوبير في برنامجه عن تفاصيل اللقاء الذي جمع رئيس الاتحاد باللاعب، عقب مباراة طرابزون سبور وغازي عنتاب، وما تضمنه من حديث حول المنتخب، وتأكيد حب الجماهير المصرية لصلاح وتمسكها باستمراره قائدًا للمنتخب، وضرورة الاستماع إلى وجهات النظر المختلفة واحتواء أي خلافات أو أمور قد تزعجه.
وهنا يبرز سؤال مشروع: هل تحتاج المؤسسات الرياضية إلى هذا القدر من التحرك الشخصي لاحتواء أي أزمة مع لاعب مهما بلغت مكانته؟ وأين تقف الحدود الفاصلة بين تقدير النجوم والحفاظ على هيبة المؤسسة؟
إن احترام النجوم واجب، لكن احترام المؤسسة واجب أيضًا، ولا ينبغي أن يتحول التقدير إلى استرضاء، أو أن تُفهم مكانة اللاعب باعتبارها نفوذًا يمنحه وضعًا استثنائيًا داخل المنظومة.
ماذا قدم صلاح للمنتخب؟ سؤال مشروع لا ينتقص من إنجازه
من حق الجمهور أن يناقش حصيلة أي لاعب مع منتخب بلاده، مهما بلغت مكانته الدولية.
ومحمد صلاح لم ينجح حتى الآن في التتويج ببطولة كأس الأمم الإفريقية مع المنتخب، رغم مشاركته في نهائي نسختي 2017 و2021.
ومصر، صاحبة الرقم القياسي في عدد مرات الفوز بالبطولة الإفريقية برصيد سبعة ألقاب، لم تتوج باللقب منذ عام 2010.
وبالطبع، لا يتحمل صلاح وحده مسؤولية غياب البطولة، فهي مسؤولية منظومة كاملة تضم اللاعبين والأجهزة الفنية والإدارة الرياضية، لكن من حق الجماهير أن تقيم التجربة وأن تناقش النتائج، دون أن تواجه حملات تخوين أو هجوم لمجرد طرح الأسئلة.
فاللاعب الذي يمثل منتخب بلاده يجب أن يكون موضع تقدير بقدر ما يقدمه، وموضع نقد موضوعي عندما تستدعي النتائج ذلك، تمامًا مثل أي مسؤول أو شخصية عامة.
إن قيمة النجوم الحقيقية لا تتعارض مع النقد، بل إن قبول النقد أحد أهم مظاهر الاحتراف والمسؤولية.
الإعلام والجيوش الإلكترونية.. حين تتحول الشهرة إلى حصانة
ولا يمكن إغفال دور بعض المنصات الإعلامية والحسابات الإلكترونية في تضخيم صورة النجوم، وتحويل أي خلاف حول أدائهم أو مواقفهم إلى معركة بين مؤيد ومعارض.
فبدلًا من مناقشة الوقائع وتحليل المواقف، تتحول بعض المساحات الرقمية إلى ساحات للتخوين والتجريح، ويصبح النقد الموضوعي في نظر البعض إساءة شخصية، بينما يُقدم الدفاع غير المشروط عن النجم باعتباره دفاعًا عن الوطن.
وهذه ظاهرة خطيرة على الوعي العام؛ لأن الوطن أكبر من أي لاعب، والمنتخب أكبر من أي نجم، والمؤسسات الوطنية لا ينبغي أن ترتبط صورتها بأفراد مهما بلغت شهرتهم.
كما أن وصف كل نقد بأنه استهداف، أو كل اختلاف بأنه مؤامرة، يقتل ثقافة الحوار ويغلق الباب أمام المحاسبة والتصحيح.
والإعلام المسؤول لا يصنع أصنامًا بشرية، وإنما يقدم الشخصيات العامة بإنجازاتها وإخفاقاتها، ويضعها في إطارها الطبيعي، ويمنح الجمهور حق التقييم والحكم.
الخاتمة.. استعادة معايير القدوة ضرورة وطنية
إن القضية التي نناقشها اليوم أكبر من محمد صلاح، وأبعد من مباراة كرة قدم، وأعمق من خلاف بين لاعب ومدرب أو رئيس اتحاد.
إنها قضية تتعلق بترتيب أولويات المجتمع، وبالرسائل التي نوجهها إلى أبنائنا، وبمدى قدرتنا على بناء وعي يميز بين الشهرة والإنجاز، وبين النجاح الفردي والقيمة الوطنية، وبين احترام الشخصيات العامة وتقديسها.
نحن بحاجة إلى مراجعة جادة لفلسفة تقديم القدوات في مناهجنا التعليمية، وإلى إعلام يوازن بين نماذج النجاح المختلفة، وإلى مؤسسات لا تخضع لنفوذ الأفراد، وإلى مجتمع يقدر العالم كما يقدر الرياضي، ويحترم المعلم كما يحتفي بالبطل، ويمنح العمل والإنتاج والعلم مكانتهم المستحقة.
فليس المطلوب أن نقلل من شأن لاعب، أو نحجب إنجاز رياضي، وإنما أن نعيد ترتيب سلم القيم، حتى لا تصبح الشهرة أعلى من العلم، ولا يتحول التصفيق إلى معيار وحيد لتقييم البشر.
مصر أكبر من نجومها، وتاريخها لا يُختزل في الملاعب، ومستقبلها لن تصنعه الأقدام وحدها، وإنما تصنعه العقول الواعية، والأيدي المنتجة، والضمائر المخلصة، والمؤسسات التي تحترم القانون وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط