المال العام ليس غنيمة.. أين اختفت ملايين المونديال في واقعة شيك الـ300 ألف دولار؟ بقلم المهندس: أحمد بهلول

0 35
ما أن تفتح دفاتر الأندية الرياضية في مصر حتى تتساقط أوراق التستر المالي، وتتكشف خبايا وأسرار تديرها أيادٍ عبثت بحقوق المؤسسات والرياضة المصرية لأغراض شخصية ضيقة.
واقعة “شيك الـ300 ألف دولار” واختفاء ملايين مستحقات كأس العالم بروسيا 2018 (التي تقارب 800 ألف دولار، وتعادل اليوم بأسعار الصرف عشرات الملايين من الجنيهات) إلا نموذجاً صارخاً وفجاً لإدارة تهدر المال العام، متجاوزة كل الحدود الرقابية، والأخلاقية، والجنائية، والوطنية.
إن أبسط قواعد الأخلاق الرياضية والمؤسسية تحتم على من يتولون مقاليد الأمور في الأندية الكبرى أن يكونوا أمناء على مقدرات مؤسساتهم وجماهيرها العريضة التي تعشق الكيان قبل الأشخاص.
غير أن ما جرى في هذه الواقعة يمثل سقوطاً أخلاقياً مدوياً؛ فحين يُرفض شيك رسمي بقيمة 300 ألف دولار بحجة “عدم مطابقة التوقيع”، وحين يُصار إلى المطالبة باستلام ما يقرب من 800 ألف دولار نقداً ويدوياً عبر “مدير إداري”، ثم تُختزل حقوق اللاعبين ومستحقات المونديال الواردة من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تماماً من الميزانية الرسمية المعروضة على الجمعية العمومية، فإننا أمام خيانة صريحة لأمانة المسؤولية، وتجرد كامل من المعايير الأخلاقية التي ينبغي أن تُبنى عليها الإدارة الرياضية النزيهة.
قانونياً، لا يمكن قراءة هذه الفوضى المحاسبية باعتبارها مجرد “خطأ إداري عابر”، بل هي ترقى إلى مرتبة الجرائم الجنائية المتمثلة في إهدار المال العام، وتسهيل الاستيلاء عليه، وتدوير أموال طائلة خارج القنوات المصرفية الرسمية.
إن إسقاط إيراد دولي رسمي معتمد من “فيفا” من دفاتر الميزانية الرسمية يطرح تساؤلات مرعبة حول الهدف الحقيقي من هذا التغييب؛ فهل كان ذلك ستراً لتدوير مبالغ دولارية كبرى خارج الحسابات البنكية هرباً من الحجز القضائي على أرصدة النادي؟
إن هذه التساؤلات المشروعة أدركتها الجهات القضائية بالفعل، وأصبحت الواقعة قيد التحقيقات الرسمية في نيابة الأموال العامة، وهو ما يتطلب بالضرورة توسيع دائرة التحقيقات لتشمل ليس فقط مسؤولي النادي السابقين، بل وكل مسؤول في اتحاد الكرة والجهات الرقابية والمصرفية ممن تورطوا أو تواطؤوا في تمرير هذه المهزلة وتسهيل خروج الأموال بلا رقابة.
على الصعيد الوطني، تمثل الأندية الرياضية الجماهيرية واجهة حضارية ورمزاً من رموز القوة الناعمة للدولة المصرية, وإن الإضرار المالي والإداري المتعمد بهذه الكيانات هو إضرار بالصالح العام وبثقة المواطن في منظومته الرياضية.
حين تُدار أموال المؤسسات الرياضية الكبرى بمنطق “العزب الخاصة” والمستندات الملتوية، فإن ذلك يفرز بيئة طاردة للاستثمار ونموذجاً مشوهاً يعصف بجهود الدولة في محاربة الفساد المالي والإداري.
إن المال العام مصون بقوة الدستور والقانون، والتستر على إهدار عشرات ملايين الجنيهات التي هي حق أصيل للكيان وللاعبي المنتخب الوطني الذين شرفوا مصر في المحافل الدولية (كأس العالم)، يعد جريمة وطنية لا يمكن السكوت عنها.
لقد فتحت الدفاتر، ووضعت الحقائق عارية أمام الرأي العام وجهات التحقيق الرقابية. ولم يعد مقبولاً الاكتفاء بالمسكنات أو المعالجات الهامشية؛ فالعدالة الناجزة تقتضي كشف كل خيط من خيوط هذه المؤامرة المالية، ومحاسبة كل متواطئ متورط في إهدار المال العام، حتى تبقى الرياضة المصرية نقية طاهرة من دنس العبث والفساد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط