بين فخ “الاستسهال الدرامي” ومأزق “النكاية الأيديولوجية”.. ردًا على بيان الزميل محمود كامل حول فيلم “برشامة” بقلم: الناقد والمحلل السياسي الكاتب الصحفي/ محمد بهلول

0 115
الزميل العزيز الأستاذ محمود كامل
رئيس اللجنة الثقافية والفنية بنقابة الصحفيين
تحية زمالة وتقدير، وبعد..
طالعت باهتمام، كغيري من الجماعة الصحفية والمثقفين، البيان الصادر عنكم للتضامن مع أسرة فيلم “برشامة” واتحاد النقابات الفنية.
وإذ نتفق جميعاً على المبدأ الدستوري والقانوني الراسخ بحماية “حرية الإبداع والتعبير” ورفض دعوى التكفير والتحريض، إلا أن قراءة البيان بعين “الناقد والمحلل” والمتابع الواعي لخطابكم الفكري، تكشف عن وقوعكم في خطأين جسيمين: أحدهما درامي وفني يتعلق بالقراءة المجتزأة للعمل، والآخر سياسي وأيديولوجي يتعلق بمداد الدوافع التي حركت هذا البيان.
اسمح لي يا زميلي العزيز أن أوضح لك أين جانبت الصواب في هذا الموقف:
أولاً: الخلط بين “الدفاع عن الإبداع” و”شرعنة الاستسهال الفني”
البيان ذهب دفاعاً عن الفيلم وكأنه يواجه معركة تنوير ضد الظلام، متغافلاً عن أن “برشامة” سقط بنيوياً وفنياً في اختبار الذكاء والمسؤولية الدرامية، ولم تكن أزمته مع الجمهور أزمة “إرهاب فكري”، بل أزمة “رداءة معالجة”، وتتجلى خطورة ما تدافع عنه في ثلاث سقطات فنية نسفت حيادية العمل:
الإساءة للثوابت والمقدسات بـ (الاستسهال الدرامي):
تاريخ السينما المصرية يزخر بنقد “مدعي التدين” أو “الشخص المتزمت” كسلوك بشري (ونذكر هنا عبقرية وحيد حامد في “الإرهاب والكباب” و“المنسي”)، دون أن يمس النص المقدس.
أما في “برشامة”، فقد تجاوز السيناريو نقد السلوك البشري إلى إقحام آيات قرآنية وأسماء أئمة فقه عظام (كالإمام أبي حنيفة) في مواقف هزلية مبتذلة لتبرير فعل “الغش“. هذا ليس إبداعاً يا زميلي، بل هو اتكاء على “إيفيه الصدمة” لتعويض ضعف الكوميديا الموقفية.
تسطيح الفتوى لخدمة الإيفيه السريع:
الفيلم حاول تقديم كوميديا سوداء تسخر من ظاهرة “تفصيل الفتاوى“، وهي ظاهرة مجتمعية قابلة للنقد، لكن المعالجة تركت الفتاوى المغلوطة والعبث بمفاهيم “التوبة والاستغفار” عائمة داخل سياق الضحك والتندر دون كشف زيفها أو إظهارها كجريمة أخلاقية، مما حوّل أدوات ضبط الأخلاق في المجتمع إلى مادة للسخرية الهزلية التي تفقدها قيمتها الردعية.
السقوط في “النمطية الاختزالية الجاهزة”:
تعامل الفيلم مع المظاهر الدينية (اللحية، الحجاب، المساجد) برؤية معلبة، حيث ارتبطت هذه المظاهر بالضرورة إما بالجهل، أو التناقض السلوكي، أو النفاق الأخلاقي، مع غياب تام للنموذج المتدين السوي لخلق توازن درامي.
هذا الاختزال يحول العمل من “نقد اجتماعي” إلى “تصفية حسابات فكرية” و”بروباغندا مضادة“.
أن تدافع اللجنة الثقافية لنقابة الصحفيين عن عمل سقط في اختبار “كيف يناقش القضية” واختار الطريق الأسهل بصدم وجدان المجتمع، لهو أمر يضر بقيمة النقد الفني الحقيقي الذي طالما قادته نقابتنا.
ثانياً: الخصومة الأيديولوجية والوقوع في فخ “الاستقطاب السياسي”
الخطأ الثاني الذي بدا واضحاً لكل ذي عينين قرأ بيانكم، هو أن الخلفية الفكرية والانتماء الأيديولوجي للتيار اليساري الذي تمثلوه، كان المحرك الأساسي والدافع الخفي وراء صياغة هذا التضامن المطلق.
لقد بدا البيان وكأنه لا يدافع عن قيمة فنية لفيلم “برشامة” بقدر ما يتحرك بدافع النكاية السياسية والخصومة التقليدية مع التيار المحافظ، وبخاصة السلفيين (لاسيما بعد تحرك نواب حزب النور في البرلمان).
لقد حملت على عاتقك تبرئة العمل وصناعه لمجرد أن الخصم في الطرف الآخر هو تيار تختلف معه فكرياً، مما جعل النقابة – عبر لجنتها الثقافية – تظهر وكأنها تنحاز في معركة استقطاب سياسي وأيديولوجي، بدلاً من أن تكون منصة تقييم موضوعي تذود عن حرية الإبداع المسؤول وتحترم في الوقت ذاته الهوية الثقافية والدينية للمجتمع المصري.
إن حصر المعركة في مربع “التكفير والتحريض والتخوين” هو محاولة للهروب بالفيلم من مقصلة النقد الفني والمجتمعي العادل لخطاياه الدرامية، وتحويله إلى “ضحية” لكسب تعاطف سياسي.
يا زميلي العزيز..
مصر كانت وتظل منارة للإبداع لأن مبدعيها الكبار عبر التاريخ عرفوا كيف يفككون تشوهات المجتمع بذكاء ومسؤولية دون الصدام مع مقدساته، وحرية التعبير لا تعني أبداً حصانة العمل الفني من النقد الأخلاقي والمجتمعي إذا ما خانته أدواته الفنية وسقط في فخ الابتذال.
تقبل وافر احترامي وتقديري،،،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط