عبد الفتاح مصطفى.. “سادن الكلمة” الذي وحد بين مِحراية الزهد ومقامات العشق

0 154

كتب / مالك محمد

هل يمكن لعقل واحد أن ينسج “بردية” المناجاة الخالدة في “مولاي إني ببابك”، ثم يعود ليخط عتاب المحبين في “لسه فاكر”؟ إنها معجزة الكلمة حين تسكن روح الشاعر المصري عبد الفتاح مصطفى؛ ذاك “الجندي المجهول” في ذاكرة الأغنية العربية، الذي استطاع بصمته وتواضعه أن يجعل قصائده أشهر من اسمه، وفكره أعمق من مجرد كلمات تُغنى.

من “النقشبندي” إلى “حليم”.. رحلة في رحاب النور
لم يكن عبد الفتاح مصطفى مجرد شاعر غنائي، بل كان صائغاً للأرواح. هو الذي قدم للشيخ سيد النقشبندي نحو 15 أنشودة من ألحان بليغ حمدي، كانت بمثابة “معراج صوفي” للصوت المصري.

وهو ذاته الذي استلهم منه العندليب الأسمر أجمل ابتهالاته مثل “أنا من تراب” و”ورحمتك في النسيم”، ليثبت أن الإيمان والفن وجهان لعملة واحدة هي “الصدق”.

تمتد لمساته لتشمل روائع السينما والدراما الدينية؛ فهو صاحب الكلمات النورانية في فيلم “الشيماء” بصوت سعاد محمد، وهو الذي هز الوجدان بمقدمة مسلسل “محمد رسول الله” بصوت ياسمين الخيام وألحان جمال سلامة، دون أن ننسى تعاونه الفريد مع “مداح الرسول” محمد الكحلاوي.

نشأة “الجمالية”.. يٌتمٌ صنع فارساً
في قلب القاهرة التاريخية، وتحديداً في حي الجمالية عام 1924، ولد هذا الفارس تحت ظلال الأزهر الشريف ومقام الحسين. نشأ في بيت علمٍ، فوالده هو العالم الأزهري مصطفى الغمراوي، ولكن القدر اختبر قلبه باليُتم وهو في الثالثة من عمره، ليصبح الشعر لاحقاً هو “الأب والوطن”.

الهجرة النفسية نحو التراث
تفتحت موهبته بين السير الشعبية (ذات الهمة وسيف بن ذي يزن) وبين دواوين العمالقة (شوقي وحافظ). وفي سن الرابعة عشرة، كان الطفل قد نضج قبل الأوان، ليبدأ رحلة إنتاج غزير تجاوز الـ 1000 عمل فني، تنوعت بين الزجل الساخر والشعر الفصيح والدراما الإذاعية، مما جعله بحق “فارساً للكلمة” نثراً وشعراً.

لماذا يجب أن نتذكر عبد الفتاح مصطفى اليوم؟
في زمن “السيولة الفكرية”، يبرز اسم عبد الفتاح مصطفى كنموذج للكاتب الذي يعي قيمة “الهوية”. لم تكن كلماته مجرد رصٍّ للقوافي، بل كانت “هجرة نفسية” للبحث عن الجمال والحق، وهو ما نحتاج لاستعادته في صحافتنا وفكرنا المعاصر.

مسك الختام: من وحي “سادن الكلمة”
وفي ختام هذه الرحلة مع “سادن الكلمة”، لا نجد أصدق من كلماته التي خلدها الشيخ النقشبندي في “مولاي”، لتظل شاهدة على شاعرٍ وحّد بين محراب الزهد ومقامات العشق:

“مولاي إني ببابك.. قد بسطت يدي
من لي ألوذ به إلاك يا سندي؟
أقـوم بالليل والأسـواق هـاجـعـة
وأدعـو يا حي.. يا قيـوم.. يا أحـدي”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط