“الديمقراطية تموت في الظلام: أبعاد منع البث العلني للجلسات وبدائل التعتيم بمجلس النواب” بقلم: الناقد والمحلل السياسي والكاتب الصحفي محمد بهلول

0 7
 بين فلسفة العقد الاجتماعي ونصوص الدساتير الحديثة، تقف مسألة “علنية الجلسات البرلمانية” كأحد المبادئ الجوهرية التي لا تستقيم الديمقراطية بدونها.
إن قرار مجلس النواب المصري في مطلع عام 2016 – برئاسة الدكتور علي عبد العال – بوقف البث التلفزيوني المباشر للجلسات بعد جلستين فقط بناءً على تصويت شفهي، يمثل لحظة فارقة تستدعي إعادة قراءة المشهد من منظور فلسفي، دستوري، حقوقي، وسياسي، لتبيان لماذا يعد البث المباشر ضرورة حتمية وليس مجرد ترف إعلامي.
أولاً: الأبعاد الفلسفية (شرعية التمثيل وفلسفة الفضاء العام)في الفلسفة السياسية، وتحديداً في أدبيات جون لوك وجان جاك روسو حول “العقد الاجتماعي”، لا يملك النائب البرلماني سلطة أصيلة من ذاته، بل هو “وكيل” ينوب عن “الأصيل” وهو الشعب صاحب السيادة.
أزمة الوكالة السياسية: كيف يمكن للأصيل (المواطن) أن يراقب وكيله (النائب) إذا حُجبت عنه آلية المراقبة المباشرة؟ غياب البث المباشر يخلق فجوة معرفية تجعل العلاقة بين النائب ودوائره الانتخابية علاقة شيك على بياض، مما يفرغ مفهوم “التمثيل النيابي” من مضمونه الفلسفي.
فلسفة الفضاء العام (يورغن هابرماس): يرى هابرماس أن الديمقراطية تنشأ في “الفضاء العام” القائم على النقاش العقلاني العلني.
عندما تغلق البرلمانات أبوابها الرقمية والبصرية أمام الجمهور، فإنها تحول النقاش العام من فضاء عقلاني تشاركي إلى فضاء مغلق، مما يغذي الشائعات ويقلل من الثقة العامة في مؤسسات الدولة.
ثانياً: الأركان الدستورية (مبدأ العلنية والاستثناء)من الناحية الدستورية والقانونية، تشير معظم الدساتير الحديثة (بما فيها الدستور المصري) إلى أن الأصل في جلسات البرلمان هو “العلنية”، وأن السرية هي الاستثناء الذي يمليه الأمن القومي في ظروف استثنائية محددة.
إشكالية التصويت الشفهي: إن تمرير قرار استراتيجي يمس حق المواطنين في المعرفة عبر “تصويت شفهي” وبناءً على رغبة عابرة لبعض النواب، يمثل توسعاً غير مبرر في استخدام “الاستثناء” ليصبح هو “الأصل”.
العلنية الدستورية لا تعني فقط السماح لعدد محدود من الصحفيين أو الزوار بدخول الشرفة، بل تعني في العصر الرقمي إتاحة المعرفة للجميع دون تمييز، وهو ما لا يحققه سوى البث المباشر.
ثالثاً: المقاربة الحقوقية (الحق في المعلومات والمواطنة الرقمية)منظور حقوق الإنسان يرى في منع البث المباشر مساساً بحزمتين من الحقوق الأساسية:الحق في التعبير والوصول للمعلومات: تنص المواثيق الدولية على حق المواطن في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بإدارة الشأن العام.
البدائل الحالية (كالبيانات الرسمية والمضابط) لا تلبي هذا الحق بشكل كامل؛ فالبيانات الرسمية تخضع بطبيعتها “للفلترة” والتحرير التوجيهي، والمضابط الرسمية تنشر بعد فترات زمنية طويلة مما يفقد المعلومة قيمتها السياسية والرقابية الفورية.
المواطنة الفاعلة: لكي يمارس المواطن حقه السياسي في تقييم نوابه تمهيداً للانتخابات المقبلة، يحتاج إلى رؤية أداء النائب الفعلي: كيف يتحدث؟ كيف يدافع عن قضايا دائرته؟ وما هو موقفه من التشريعات والقوانين؟ غياب البث يحرم الناخب من أدوات القياس الموضوعية.
رابعاً: التحليل السياسي والبدائل الإعلامية (صناعة الوعي مقابل التعتيم)
تعتمد الآلية الحالية لإعلام الجمهور على ثلاثة روافد أساسية تظهر القراءة السياسية عدم كفايتها؛ فالبيانات والتقارير الرسمية الصادرة عن المركز الإعلامي للمجلس تقدم رواية أحادية الجانب تمثل وجهة نظر المؤسسة وتغفل بطبيعتها السجالات، الاعتراضات، والتنوع الأيديولوجي الفعلي داخل القاعة.
وفي المقابل، تخضع تصريحات النواب وصحافة الملحقات للمصالح الشخصية والنرجسية السياسية، حيث ينقل كل طرف ما يدعم موقفه الشخصي وروايته الفردية للأحداث.
أما المضابط الرسمية، فعلى الرغم من توثيقها، إلا أنها تصدر متأخرة جداً وبأسلوب جاف لا يفيد سوى الباحثين والمؤرخين، مما يسقط المواطن العادي من حساباتها المعرفية الفورية، ويساهم مجتمعاً في تغييب الرقابة الشعبية اللحظية.
الأثر السياسي لغياب البث: يؤدي منع البث إلى إضعاف “الشرعية السياسية” للمؤسسة التشريعية نفسها, فعندما يرى المواطن تفاصيل النقاشات حول القوانين والضرائب والمعاهدات، يشعر بأنه جزء من القرار، مما يعزز الاستقرار السياسي.
أما غياب البث فيبني جداراً من الغموض يساهم في تراجع الاهتمام الشعبي بالسياسة (اللا مبالاة السياسية)، وهو الخطر الأكبر على أي نظام ديمقراطي.
إن العودة إلى بث جلسات مجلس النواب على الهواء مباشرة ليست مطلباً ترفيهياً، بل هي استحقاق فلسفي ودستوري وحقوقي, إنها الأداة الوحيدة التي تضمن تحويل البرلمان من “صندوق مغلق” إلى “منبر للأمة”.
إن احترام وعي المواطن يبدأ من تمكينه من رؤية كيف تُصنع قوانينه وكيف تُدار مقدراته، فالديمقراطية تموت في الظلام، والشفافية هي الضمانة الوحيدة لسلامة العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط