ليلة العمر وغنيمة الدهر د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية

0 185

في خضمِّ الليالي المباركة من شهر رمضان، تُشرق في الأفق ليلةٌ عظيمة الشأن، جليلة القدر، هي ليلة القدر التي اختصّها الله تعالى بفضائل لا تُحصى، وجعلها محطةً إيمانية يتزوّد منها المؤمن بما يرفع درجته ويطهّر قلبه.

لا شك أنها ليلةٌ اختصّها الله بالفضل العظيم، وجعلها فرصةً متجددة لتجديد الإيمان ومغفرة الذنوب ونيل خيرٍ يفوق عبادة ألف شهر.

ففي هذه الليلة يقف المؤمن أمام محطةٍ إيمانية استثنائية لا تتكرر في العام إلا مرة واحدة؛ ليلةٌ يترقبها الصالحون، وتخشع لها القلوب، وتُفتح فيها أبواب السماء للدعاء والرجاء.

إنها ليلة القدر؛ تلك الليلة المباركة التي جعلها الله خيرًا من ألف شهر، ومنح فيها عباده فرصة عظيمة لمضاعفة الأجر وتطهير القلوب من أدران الذنوب.

 لقد عظَّم الله تعالى شأن هذه الليلة في كتابه الكريم، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۝ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، فهي ليلةٌ تتجاوز في فضلها عبادة ثلاثٍ وثمانين سنة، مما يدل على عظيم رحمة الله بعباده، إذ جعل لهم في أيام معدودة فرصةً لمضاعفة الأجور ونيل المغفرة.

وفي هذه الليلة المباركة تتنزّل الملائكة بالخير والبركات، ويعمّ السلام والسكينة أرجاء الأرض، قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ۝ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. إنها ليلة يغمرها الأمن الروحي والطمأنينة، حيث تتفتّح أبواب السماء للدعاء، وتُرفع الأعمال الصالحة مضاعفةً إلى رب العالمين.

وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم فضل إحيائها، فقال: “مَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه”

فكم من عبدٍ أثقلته الذنوب، فكانت هذه الليلة بداية صفحة جديدة في حياته، وكم من قلبٍ أقبل على الله فيها بصدق، فبدّل الله حاله إلى خيرٍ وبركة.

وكم من عبدٍ أدرك هذه الليلة فكانت بداية صفحة جديدة في حياته، وكم من قلبٍ أثقله الذنب فغسلت دموع التوبة فيه آثار التقصير.

إن إدراك ليلة القدر لا يكون بالتمنّي، بل بالجد والاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلت هذه العشر شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله.

 وفي ذلك دعوةٌ للمسلم أن يجعل من هذه الليالي موسمًا للطاعة: بالصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والاستغفار، والصدقة.

ومن أعظم ما يُقال في هذه الليلة ما علّمه النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سألته: يا رسول الله، إن وافقتُ ليلة القدر ما أقول؟ قال: “قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني”، إنه دعاء جامع، يعبّر عن حاجة العبد إلى رحمة ربه وعفوه.

إنها حقًا ليلة العمر وغنيمة الدهر؛ فمن وفّقه الله لإحيائها فقد نال خيرًا عظيمًا، وربح ربحًا لا يعدله ربح.

 فالسعيد من اغتنمها قبل أن تنقضي، وجعلها نقطة تحول في علاقته بربه، يخرج منها بقلبٍ أنقى، ونفسٍ أصفى، وعزمٍ جديد على طريق الطاعة.

فيا من أدركت هذه الليالي المباركة، لا تدعها تمرّ مرور العابرين، بل اجعلها محطة إيمانٍ وتجديدٍ للعهد مع الله؛ فلعل ركعةً خاشعة، أو دمعةً صادقة، أو دعوةً مخلصة، تفتح لك أبواب الرحمة وتغيّر مجرى حياتك.

ولا شك أيها القارئ الكريم أننا في زمن تتكاثر فيه مشاغل الحياة وتتزاحم فيه الهموم، فتأتي هذه الليلة لتكون رسالة أملٍ لكل قلبٍ مؤمن: أن باب الرحمة لا يزال مفتوحًا، وأن طريق العودة إلى الله أقرب مما نظن.

فطوبى لمن عرف قدرها، واجتهد فيها، وأحياها بخشوع، فخرج منها بقلبٍ جديد، وروحٍ أقرب إلى الله؛ فهي حقًا ليلة العمر، وغنيمة الدهر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط