شعبان.. شهر بين رجب ورمضان غفل الناس عنه بقلم: د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية

0 1٬302

 

يمرّ علينا شهر شعبان كل عام مرورًا سريعًا، كأنه جسرٌ صامت بين شهرين عظيمين: رجب ورمضان. فرجب شهرٌ حرام عظّمه الله عز وجل، ورمضان شهر الصيام والقيام والقرآن، أما شعبان فغالبًا ما يقع في منطقة الغفلة، فلا يُعطى حقه من الاهتمام، رغم عظيم فضله ومكانته.

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغفلة حين سأله أسامة بن زيد رضي الله عنهما قائلا له: “يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم شعبان، قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم” أخرجه النسائي (2357) واللفظ له، وأحمد (21753).

ففي هذا الحديث يقول أسامة بن زيد رضي الله عنهما: “قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان؟” أي: لا تكثر من صيام التطوع في شهر من شهور السنة بمثل ما تكثر في صيام شعبان، وكان قد ورد في صيامه صلى الله عليه وسلم لشعبان ما روي في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها:

“كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان”.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة مبينا له سبب صيامه: “ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان”، أي: يسهو الناس عنه لإكثارهم العبادة في هذين الشهرين، “وهو شهر ترفع فيه الأعمال”، أي: أعمال بني آدم من الخير والشر والطاعة والمعصية، “إلى رب العالمين”؛ فلذلك ينبغي أن تكون الأعمال فيه صالحة، “فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم”؛ فالأعمال الصالحة إذا صاحبها الصوم رفع من قدرها، وأثبت خلوصها لله عز وجل.

فشعبان شهر تُرفع فيه الأعمال، وما أعظم أن تُرفع أعمال العبد وهو في طاعة، صائم، مُقبل على الله بقلبه وجوارحه. إنه شهر التهيئة الحقيقية لرمضان، فمن أحسن الاستعداد فيه، وجد ثمرة ذلك في رمضان نشاطًا وخشوعًا وثباتًا.

وكان النبي ﷺ يُكثر الصيام في شعبان حتى قالت عائشة رضي الله عنها: “ما رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهرٍ إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان”، وهذا يدل على أن شعبان ليس شهر كسل ولا انشغال بالاستعدادات الدنيوية لرمضان فقط، بل هو شهر عبادة وعمل.

ومن مظاهر الغفلة عن شهر شعبان أن كثيرًا من الناس لا يلتفتون إليه إلا عند اقتراب رمضان، فيضيعون أيامه دون ذكرٍ أو صيام أو مراجعة للنفس، مع أن شعبان فرصة عظيمة لتطهير القلوب، وتجديد النيات، وترك العادات السيئة، وردّ المظالم، حتى يدخل العبد رمضان بقلبٍ سليم.

وفي شعبان تُفتح أبواب الخير لمن أراد القرب من الله؛ بالإكثار من الصيام، وقيام الليل، والاستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقراءة القرآن تمهيدًا لختمه في رمضان.

فكما أن الجسد يحتاج إلى تدرّج قبل الجهد، فإن الروح تحتاج إلى تهيئة قبل مواسم الطاعات العظمى.

إن شعبان رسالةٌ ربانية تقول لنا: لا تنتظر رمضان لتبدأ، فمن لم يزرع في شعبان، فبماذا يحصد في رمضان؟
فيا من غفلتَ عنه الأعوام الماضية، لا تجعله هذا العام شهرًا عابرًا، بل اجعله محطة صدق مع الله، وبداية طريق، لعل الله أن يبلغنا رمضان بقلوبٍ أقرب إليه، وأعمالٍ أزكى عنده.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط