ضحى سالم تكتب:الصحوة الدينية… بين اليقظة الحقيقية وتقديس الوهم

0 137

على مدار عقود، رُفعت لافتة “الصحوة الدينية” بوصفها طوق نجاة للمجتمع، وجرى تسويقها باعتبارها عودة إلى القيم والأخلاق والانضباط الروحي.

لكن السؤال الذي يتجاهله كثيرون: هل كانت صحوة حقيقية أم استيقاظًا ناقصًا؟,الصحوة، في معناها الأصيل، هي يقظة العقل قبل المظهر، والضمير قبل الشعار.

غير أن ما شهدناه في كثير من الأحيان لم يكن صحوة بقدر ما كان تحولًا شكليًا؛ تضخمًا في الخطاب، وتراجعًا في المعنى، وتشددًا في التفاصيل مقابل غيابٍ مقلقٍ لجوهر الدين.
تحولت بعض المنابر من مساحات هداية إلى منصات تخويف، ومن دعوة إلى أخلاق العمل والعدل إلى هوس بالتحريم والتجريم.

أُنهك الناس بالفتاوى، وصُنّف المجتمع بين “صالح” و“فاسد”، وكأن الإيمان بطاقة هوية لا رحلة إنسانية معقدة مليئة بالأسئلة والشكوك والتجربة.
الأخطر من ذلك، أن الصحوة – في بعض تجلياتها – لم تُنتج إنسانًا أكثر رحمة، بل أكثر قسوة.

لم تُقرب الناس من بعضهم، بل زرعت بينهم الشك والوصاية، وخلقت جيلًا يراقب المظهر ويتغافل عن الظلم، يُدين المختلف ويتسامح مع الفساد إن لبس عباءة الدين.

الدين، في جوهره، لم يكن يومًا مشروع سيطرة، ولا أداة فرز اجتماعي، ولا وسيلة لإسكات العقل.

وعندما يُختزل الإيمان في طول اللحية أو شكل الحجاب أو نبرة الخطاب، يصبح الدين ضحية باسم الدين نفسه.
الصحوة الحقيقية لا تخاف السؤال، ولا تُجرّم التفكير، ولا تعادي الفن ولا العلم ولا الحياة.

بل تصالح الإنسان مع إنسانيته، وتجعله أكثر عدلًا، لا أكثر تعصبًا؛ أكثر تواضعًا، لا أكثر تكبرًا.
اليوم، نحن لا نحتاج إلى “صحوة دينية” جديدة بقدر ما نحتاج إلى مراجعة شجاعة.

مراجعة تفصل بين الدين كقيمة روحية سامية، وبين توظيفه كأداة نفوذ أو وسيلة هيمنة ثقافية وأخلاقية.
فالدين لا ينهض بالصراخ، ولا يحيا بالممنوعات،
ولا ينتصر حين يُستخدم ضد الإنسان.
الصحوة الحقيقية تبدأ حين نجرؤ على الاعتراف:
أن ما سُمّي صحوة… قد يحتاج هو نفسه الي صحوة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط