الكاتب الصحفى رضا سلامة يكتب:”البدل بين حماقة النظام ومسؤولية النقيب.. مكاشفات ومقترح للحل”

0 1٬095

كما يدفع النظامُ مصرَ نحو الهاوية على المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية، فقد بلغت حماقته ذروتها في تعامله مع الصحافيين، حين قرّر، عن عمدٍ منعَ أو تأجيلَ ــ بحسب ما ستؤول إليه الأوضاع ــ زيادة بدل التكنولوجيا، ذلك الذي يُعدّ جزءًا من الراتب الضئيل لجموع الصحافيين المتآكل بفعل التضخم الجنوني، بل هو كلّ الراتب لشريحة واسعة من الصحافيين. بحكم خيبات السياسة والمهنة وتطورات عديدة، لا سيما بعد تداعيات “يناير 2011″ و”يونيو 2013” التي كان للنظام يدٌ طولى في صناعتها وتوجيه مآلاتها.
والمفارقة أنّ هذه الحماقة ليست طارئة أو وليدة لحظة انفعال، بل جاءت مُخططة ومدروسة. حماقةٌ مع سبق الإصرار والترصد، تُضاف إلى سلسلة إنجازات النظام المبهرة، من أطول ساري علم، إلى أكبر علمٍ يُرفرف في الهواء! كأنّ هذه الصغائر من التوافه تصلح لتعويض واقعٍ مأزومٍ أو لصرف الأنظار عن فشلٍ ذريع. الحماقةُ في العادة تأتي مباغتة، بلا تفكير ولا حساب للعواقب، أما أن يُخطّط لها ويُدبر، فذلك لا يُبقي للنظام حُجّة ولا للمراقب عذرًا.
في انتخابات نقابة الصحفيين الأخيرة (2025)، تجلّت تلك الحماقة في أبهى صورها؛ إذ تجنّب المرشّح المدعوم من الحكومة الإفصاح عن رقم الزيادة الموعودة، مكتفيًا بالقول إنها “الأكبر في تاريخ البدل”. وبذلك تحوّل البدل إلى ورقة ابتزاز صريحة، يُكافأ بها الصحافيون إذا أذعنوا، ويُعاقبون بحرمانها إن اختاروا إرادتهم الحرة وأسقطوا مرشح الحكومة. وهو ما يُخالف العُرف المستقر بمنح الرقم المعلن للفائز أيًّا كان، في محاولة لتجميل وجه النظام والترويج لمزاعم “سعة صدره”
ذلك الأسلوب الرخيص في العقاب السياسي ليس دليلَ قوّة، بل هو قرينة ضعف. فالأنظمة الواثقة لا تُدير معاركها بالخشونة والضرب المباشر، بل بتعدد الأدوات ومرونة البدائل، وبالقدرة على التأثير دون اشتباك، والإبقاء على شعرة معاوية قائمة، حتى في أعتى اللحظات.
نعم، نجح النظام في تحميل النقيب خالد البلشي تبعات حرمان الصحافيين من الزيادة، لكنّه في المقابل، أجّج الغضب ضده بصورة أوسع. فالسخط الذي عبّر عنه الصحافيون في انتخابات 2023 و2025 بإسقاط المرشح المدعوم حكوميًا على منصب النقيب، لم يكن إلا تصويتًا عقابيًا موجّهًا للنظام ذاته. وهذا ما يفسّر عدم فوز البلشي بأحد مقاعد عضوية مجلس إدارة نقابة الصحفيين في انتخابات سابقة، قبل أن تتبدّل المعادلة، ويغدو بالنسبة لأغلبية الصحافيين خصم النظام لا مجرد مرشّح.
شئتم أم أبيتم، ما زال الصحافيون عيّنة حيّة من ضمير الوطن الذي لا يموت. على الرغم من شوائب المرحلة، وانزلاق عناصر سلبية إلى داخل “4 شارع عبدالخالق ثروت” خلال الخمسة عشر عامًا الأخيرة، إلا أن النقابة ظلّت بأعضائها وموقعها ورمزيتها، ساحة فاعلة عند كل مفصل وطني، داخلها وعلى سلالمها تتفاعل الأفكار وتنطلق المبادرات والتحركات الخلاقة لكسر تخلف وجمود الواقع. وما كفاية و25 يناير و30 يونيو إلا نماذج وغيض من فيض في هذا الصدد.
ولو امتلك النظام جانبًا من الرشادة، لما زاد الاحتقان بمنع الزيادة. إذ يكفي ما فرضه على الصحافيين من حصارٍ للحرية، وتجفيفٍ لمنابع حرية الرأي والتعبير، وتأميمٍ للمؤسسات الصحافية، حتى أوصلهم إلى قمعٍ نفسي ذاتي بالرقابة الذاتية والمسبقة. لا حرية ولا أجرٌ أو دخل لائق، وهذان – وحدهما – كفيلان بإشعال أيّ احتجاج، فالثورات والاحتجاجات لا تنفجر إلا لسببين لا ثالث لهما: الحريات ولقمة العيش.
الشارع يغلي. الغلاء لا يُحتمل. والاستبداد السياسي يعمّ. إخفاقات بملفات خارجية في صلب الأمن القومي.. مسرحية انتخابات تجري وأخرى نهاية العام.. قانون الإيجار القديم يوشك على الانفجار. وبين هذا الركام، بوادر صدام بين النظام والصحافيين. وإنْ اعتبرنا الصحافيين طليعة الوعي الشعبي، فربما هذا الصدام واقعة قدرية أو مصادفة تستحق التأمل والتدبر؛ فلعلّ ما بعدها مختلف، كما غيّرت احتجاجات “6 أبريل” وحادثة “خالد سعيد” من قبل مسار التاريخ.
لكن، وإذا كنّا اتفقنا على حماقة النظام، فماذا عن مسؤولية النقيب؟ لماذا الغياب وعدم الرد على التساؤلات حول البدل؟ أليس هو القائل إن زيادة البدل انتهت؟ وإن ” الحكومة أقرت زيادة البدل”؟ أليس هو من قال إنه لن يكون سببًا في “معاقبة” زملائه؟
هل استند في تصريحاته إلى اتصالات رسمية ومعطيات مؤكدة؟ أم كانت محض استنتاجات مبنية على أُمنيات أن “النظام هيدي البدل كده كده”؟ وهل يجوز لنقيب الصحافيين أن يطلق تصريحات من هذا النوع دون سند موثوق؟ فقط لإيهام الجماعة الصحافية بأن المنافس في الانتخابات لا يحوز ميزات حقيقية؟
نعم. رفع خالد البلشي الكفن عن جسد النقابة، وأعاد الكراسي إلى مكانها الطبيعي في طوابق النقابة، وهدم عشش الدور الرابع. وفتح النقابة على المجال العام، وأعاد وصلها بالمجتمع، وهمومه، وقضاياه. كل ذلك حدث. وكل ذلك يحسب له. لكنه، في ميزان احتياجات الصحافيين، لا يكفي؛ هذا جهد محمود يصلح لعضو مجلس نقابة فاعل، لا لنقيب يُراهن عليه في انتشال مهنة بأكملها من قاع التدني والإهمال والانكسار.
الصحافيون باتوا مسحوقون، ماديًا ومعنويًا، على كل الأصعدة. وبينما المدة المتبقية من حلم خالد البلشي، عامان. أحلام الصحافيين في تحسين أوضاعهم المادية والمعنوية لا ترف فيها، ولا رفاهية انتظار. ما يحتاجه الصحافيون ليس مجرد مقاعد مريحة يجلسون عليها داخل النقابة، بل مقامًا محترمًا خارجها. ما ينقصهم ليس الندوات والمؤتمرات وحدها، بل صوتٌ نافذٌ قادرٌ على أن يعيد الاعتبار للصحافي في مكتبه، وفي راتبه، وفي مهنته، وفي دواوين الحكومة، وفي وسائل المواصلات، وفي الشارع، وفي وضعه أما أولاده وأفراد أسرته.
لست ضد خالد البلشي بشكل شخصي. له كل التقدير والاحترام. لكن القضية ليست صفرية؛ بمعنى الاختيار بين الاستقلال أو البدل. الكرامة أو الخدمات. من حق الصحافيين الاستقلال والبدل والكرامة والخدمات وحرية الإرادة والحصول على أجور محترمة ودخل مرتفع وغير ذلك الكثير.
المرحلة السوداء الحالية بتداعياتها والظروف الاقتصادية المأساوية الراهنة لغالبية الصحافيين، تحتم على من يتولى المسؤولية أن يكون قادرًا على تقديم إضافة للصحافين (مادية ومعنوية.. اقتصادية ومهنية).. هذه مسؤولية مهنية وأخلاقية.. وإلا ما المُبرر للترشح على مقعد النقيب ومقاعد مجلس الإدارة.. من لا يستطيع تقديم إضافة “في الغالب” يسعى لمصالح شخصية ومجد ذاتي.
التقليل من أهمية زيادة البدل بزعم ” المهم الاستقلال والكرامة” هو استهانة بمعاناة زملاء وتعالي على احتياجاتهم. وهو أمر لا يستقيم مع الزمالة والأخلاق والإنسانية. عطفًا على أنه كما قلنا سابقًا لا تعارض في الجمع بين البدل والاستقلال والكرامة. بل إنّ الأمان المادي هو ما يمنح الاستقلال الحقيقي، ويُعزز الكرامة، لا العكس.
في خطوة لإيقاف التصعيد والعودة للتهدئة. اقترح تشكيل لجنة ثلاثية من ضياء رشوان ويحيى قلاش وزميل ثالث يُتفق عليه، لفتح حوار مباشر مع مسؤولي الدولة، يهدف إلى التوصل لتفاهمات تُقر زيادة محترمة في البدل، على أن تكون اللجنة مُخوّلة بإعلان نتائج هذا الحوار السريع، بما يحفظ ماء وجه الجميع، ويصون ما تبقى من جسور التواصل.
وفي الختام، نقول لمن يناصرون مرشحهم بحكم الانتماء الإيديولوجي أو الولاء الفكري، إنّ ذلك، حين يعلو فوق المصلحة العامة، يُفسد الرؤية ويشوّه النضال. الإيديولوجيا، إن لم تكن سبيلًا للارتقاء بالإنسان وتحقيق صالح الجماعة واحتياجاتها، صارت قيدًا على الضمير، وعائقًا عن رؤية الحقيقة كما هي.
كاتب هذه السطور لم يكن يومًا من “المواطنين الشرفاء”، ولا من أتباع الحكومة، بل كان طلابيًا ناصريًا، وشارك في تأسيس الحزب الناصري، وكان عضوًا في حركة “كفاية”. لكنه، بفعل الزمن وخبرة التجربة، تطور وأدرك أن الحقيقة والموضوعية والإنسانية أولى بالاتباع من أي شعار أو راية أو أي شيء آخر.
رضا سلامة
صحافي
رئيس تحرير صحيفة الجيل عضو المجلس الأعلى للصحافة سابقًا
الثلاثاء 15 يوليو 2025

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط