الحجر أم البشر؟ محمد نصر علام يدق ناقوس الخطر بشأن تراجع مكانة أستاذ الجامعة ونزيف العقول
كتب : ياسر عادل
أعاد الدكتور محمد نصر علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، فتح ملف أوضاع أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية، محذراً من تداعيات تراجع مكانة الأستاذ الجامعي والمعلم، وما قد يترتب على ذلك من خسائر تمس الثروة البشرية والكفاءات العلمية التي تمثل الركيزة الأساسية لأي مشروع تنموي حقيقي.
وفي رؤية نقدية نشرها عبر حسابه الشخصي على منصة «فيسبوك»، سلط علام الضوء على الفجوة بين التوسع في إنشاء المدارس والجامعات والمنشآت التعليمية من ناحية، والاهتمام بالعنصر البشري الذي يتولى إدارة العملية التعليمية وصناعة الأجيال من ناحية أخرى، معتبراً أن التركيز على بناء الحجر دون الاستثمار الكافي في البشر يهدد مستقبل التعليم ونهضة المجتمع.
وتفتح رؤية وزير الري الأسبق نقاشاً يتجاوز المطالب الفئوية لأعضاء هيئة التدريس، ليطرح سؤالاً جوهرياً حول أولويات التنمية: هل يمكن بناء دولة متقدمة دون الحفاظ على عقولها العلمية، وتوفير البيئة المناسبة لاستمرارها وإبداعها داخل مؤسساتها الوطنية؟
الأستاذ الجامعي.. ثروة وطنية لا مجرد موظف
أكد الدكتور محمد نصر علام أن الأستاذ الجامعي يمثل إحدى أهم ركائز النخبة العلمية والفكرية في المجتمع، باعتباره المسؤول عن نقل المعرفة وإعداد الأجيال الجديدة وتأهيل الكفاءات التي تتولى قيادة مختلف القطاعات.
وتفرض طبيعة هذه المسؤولية، بحسب ما تطرحه رؤيته، ضرورة توفير مكانة مادية ومهنية واجتماعية تليق بدور الأستاذ الجامعي، وتضمن له حياة كريمة واستقراراً أسرياً ومهنياً يساعده على التفرغ للتدريس والبحث العلمي.
فالأستاذ الجامعي ليس مجرد موظف يؤدي ساعات عمل محددة، وإنما يمثل حلقة رئيسية في سلسلة إنتاج المعرفة وتكوين الطبيب والمهندس والباحث والمعلم والخبير، وهو ما يجعل الحفاظ عليه استثماراً مباشراً في مستقبل الدولة.
ومن ثم، فإن تراجع جاذبية العمل الأكاديمي أو تعرض أعضاء هيئة التدريس لضغوط معيشية ومهنية متزايدة لا يتوقف أثره عند حدودهم الشخصية، بل قد يمتد إلى جودة العملية التعليمية ومستوى الخريجين والقدرة التنافسية للمؤسسات الجامعية.
الحجر أم البشر؟ معادلة التنمية التي تحتاج إلى مراجعة
من أبرز النقاط التي أثارها علام انتقاده للتركيز على التوسع الإنشائي في قطاع التعليم، من خلال تشييد المدارس والجامعات والمباني الجديدة، دون الاهتمام بالقدر نفسه بالمعلمين وأعضاء هيئة التدريس والكوادر العلمية.
وتتمثل خطورة هذه المعادلة في أن المباني والمنشآت، مهما بلغت حداثتها، لا تستطيع وحدها صناعة تعليم متقدم، ما لم تتوافر العقول القادرة على إدارتها وتطويرها، والمناهج التي تواكب متطلبات العصر، والبيئة العلمية التي تسمح بالابتكار والإبداع.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية التوسع في إنشاء المؤسسات التعليمية، فهو ضرورة لمواجهة الزيادة السكانية وتوسيع فرص الالتحاق بالتعليم، وإنما تكمن القضية في ضرورة تحقيق التوازن بين الاستثمار في البنية التحتية والاستثمار في العنصر البشري.
فالجامعة لا تُقاس بمساحة مبانيها أو عدد مدرجاتها فقط، وإنما بكفاءة أساتذتها، وقوة أبحاثها، ومستوى خريجيها، وقدرتها على إنتاج المعرفة والمساهمة في حل مشكلات المجتمع.
التفاوت الاجتماعي.. حين تتراجع مكانة النخبة العلمية
وتناول منشور وزير الري الأسبق مظاهر التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، مشيراً إلى بروز شرائح شديدة الثراء، في مقابل الضغوط المادية التي تواجه بعض أصحاب الكفاءات العلمية والأكاديمية.
وتطرح هذه المقارنة تساؤلات حول اختلال التوازن في تقدير قيمة العمل والإنتاج والمعرفة، ومدى قدرة المجتمع على الحفاظ على المكانة المعنوية والمادية التي ينبغي أن تحظى بها النخب العلمية.
فالمسألة لا تتعلق بمجرد المقارنة بين مستويات الدخول أو المظاهر الاجتماعية، وإنما ترتبط بقيمة العلم في المجتمع، ومدى قدرة أصحاب الكفاءات على تحقيق حياة كريمة من خلال عملهم العلمي والبحثي.
ومن المهم هنا أن تكون معالجة هذه القضية قائمة على بيانات موثقة ومؤشرات اقتصادية واجتماعية، بعيداً عن التعميم أو إطلاق الأحكام على مصادر ثروات الأفراد دون أدلة.
هجرة المعيدين والباحثين.. نزيف يهدد مستقبل الجامعات
يُعد ملف هجرة الكفاءات العلمية من أخطر المحاور التي تثيرها رؤية الدكتور محمد نصر علام، خاصة مع الإشارة إلى عزوف بعض أوائل الخريجين عن الاستمرار في المسار الأكاديمي، وعدم عودة بعض المبتعثين إلى مصر بعد انتهاء دراساتهم وبعثاتهم بالخارج.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أن الدولة لا تخسر مجرد موظف أو باحث يغادر مؤسسة جامعية، وإنما قد تخسر سنوات من الاستثمار في تعليمه وتأهيله، وما اكتسبه من خبرات ومعارف كان من الممكن توظيفها في تطوير البحث العلمي وإعداد أجيال جديدة من الباحثين.
كما أن استمرار انتقال الكفاءات إلى المؤسسات العلمية بالخارج قد يؤدي إلى إضعاف القدرة البحثية للجامعات المحلية، ويؤثر في فرص تكوين مدارس علمية متخصصة قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً.
ولا يمكن التعامل مع هذه القضية باعتبارها مجرد رغبة فردية في السفر أو تحسين مستوى المعيشة، بل ينبغي النظر إلى العوامل التي تجعل الباحث يختار البقاء في الخارج، وفي مقدمتها مستوى الدخل، وتوافر المعامل والإمكانات البحثية، وفرص التمويل والترقي، والاستقلال العلمي، والتقدير المهني.
وتحتاج هذه المؤشرات إلى دراسات وإحصاءات دقيقة تحدد حجم الظاهرة وأسبابها، حتى يمكن الانتقال من التحذير العام إلى وضع سياسات عملية للحد منها.
هل فقدت الجامعة قدرتها على جذب المتفوقين؟
من الأسئلة المهمة التي تفرضها هذه الأزمة مدى استمرار جاذبية الوظيفة الأكاديمية أمام أوائل الخريجين والمتفوقين.
فالجامعة يفترض أن تكون الوجهة الطبيعية للعقول الأكثر تميزاً، وأن يمثل العمل البحثي والتدريس الجامعي مساراً مهنياً يطمح إليه المتفوقون، لكن هذا الهدف يصبح أكثر صعوبة عندما تتسع الفجوة بين متطلبات العمل الأكاديمي وما يتيحه من عائد مادي وفرص للتطور المهني، مقارنة بمسارات العمل الأخرى داخل مصر أو خارجها.
ومن هنا تبرز ضرورة مراجعة منظومة استقطاب الكفاءات الأكاديمية والاحتفاظ بها، من خلال توفير حوافز عادلة، وتحسين بيئة البحث العلمي، وتطوير نظم التقييم والترقي، وإتاحة فرص حقيقية للمشاركة في المشروعات البحثية المحلية والدولية.
فالحفاظ على أوائل الخريجين داخل الجامعات لا يتحقق بمجرد تعيينهم، وإنما بقدرة المؤسسة الجامعية على إقناعهم بأن مستقبلهم العلمي والمهني يمكن أن يتحقق داخل وطنهم.
الجامعات بين التوسع الإنشائي ومعركة الحفاظ على العقول
إن أخطر ما في أزمة التعليم العالي لا يتمثل فقط في تراجع الأوضاع المادية لبعض أعضاء هيئة التدريس، وإنما في احتمالات فقدان الجامعة قدرتها على جذب أفضل العناصر العلمية والاحتفاظ بها.
فعندما يصبح العمل الأكاديمي أقل جاذبية أمام أوائل الخريجين، وعندما يجد الباحث الشاب فرصاً أفضل خارج بلاده، فإن الخسارة لا تكون وظيفية أو مالية فحسب، بل تمتد إلى مستقبل البحث العلمي وإنتاج المعرفة وإعداد الأجيال الجديدة.
ومن هنا، فإن التوسع في إنشاء الجامعات والكليات لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مؤشراً كافياً على تطور التعليم العالي، ما لم يصاحبه استثمار حقيقي في الأستاذ الجامعي والباحث والمعيد، وتوفير بيئة علمية ومهنية قادرة على المنافسة وجذب الكفاءات.
فالمبنى الجامعي مهما بلغت حداثته لا يصنع جامعة متميزة بمفرده، وإنما تصنعها العقول التي تعمل داخله، والبحث العلمي الذي ينتج عنها، والطلاب الذين يتخرجون منها.
صحوة إدارية.. من تشخيص الأزمة إلى البحث عن الحلول
إن التحذيرات التي طرحها الدكتور محمد نصر علام تستدعي مراجعة شاملة لأولويات إدارة منظومة التعليم العالي، وعدم اختزال تطوير الجامعات في التوسع الإنشائي أو زيادة أعداد المؤسسات التعليمية.
وتتطلب مواجهة الأزمة، في إطار رؤية إصلاحية متكاملة، العمل على عدة مسارات متوازية، أبرزها:
-
مراجعة الأوضاع المادية لأعضاء هيئة التدريس بما يضمن حياة كريمة واستقراراً مهنياً.
-
تطوير منظومة البحث العلمي وزيادة فرص التمويل وإتاحة المعامل والتجهيزات الحديثة.
-
وضع برامج جادة لاستعادة الكفاءات المصرية بالخارج والاستفادة من خبراتها.
-
توفير حوافز مهنية وعلمية تشجع أوائل الخريجين على الاستمرار في المسار الأكاديمي.
-
تطوير نظم الترقي والتقييم بما يربط التقدم العلمي بالإنتاج البحثي الحقيقي.
-
تعزيز استقلال الجامعات وقدرتها على إدارة مواردها وتطوير برامجها العلمية.
-
تحقيق التوازن بين الإنفاق على المباني والمنشآت والإنفاق على الإنسان الذي يمنح هذه المنشآت قيمتها.
