من يملك حق الحكم على العمل الفني.. الجمهور أم النخبة؟ انتقادات بهاء الدين سلامة تعيد الجدل حول «ليالي الحلمية»

0 47
تقرير : أحمد عيد
أعاد الكاتب الصحفي الدكتور بهاء الدين سلامة فتح ملف الجدل حول العلاقة بين النخبة الفنية والذائقة الجماهيرية، من خلال انتقادات حادة وجهها إلى الفنانة إلهام شاهين، تناول فيها تجربتها الفنية، ومشاركتها في الجزء الرابع من المسلسل الشهير «ليالي الحلمية»، فضلاً عن رؤيته لما وصفه بغياب التأثير الثقافي الحقيقي لبعض الأعمال والتجارب الفنية في المجتمع.
وجاءت انتقادات سلامة عبر منشور على صفحته الشخصية بمنصة «فيسبوك»، استعاد خلاله محطات من تاريخ المسلسل، مستشهداً بشهادة للكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة، ومقارنة أداء إلهام شاهين في شخصية «زهرة» بأداء الفنانة آثار الحكيم التي جسدت الشخصية في الأجزاء السابقة.
ولم يتوقف المنشور عند حدود التقييم الفني لأداء ممثلة بعينها، بل امتد إلى مناقشة أوسع حول معايير النجاح الفني، ومدى ارتباط الفنان بالجمهور، وحدود تأثير الجوائز والتكريمات في تشكيل القيمة الحقيقية للفنان والعمل الإبداعي.
آثار الحكيم وإلهام شاهين.. جدل شخصية «زهرة»
استند بهاء الدين سلامة في انتقاداته إلى لقاء تلفزيوني قديم للكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة، أعقب عرض الجزء الرابع من «ليالي الحلمية»، مستعيداً ظروف انتقال شخصية «زهرة» من الفنانة آثار الحكيم إلى الفنانة إلهام شاهين.
وأشار سلامة إلى أن حلول إلهام شاهين محل آثار الحكيم جاء بعد اعتذار الأخيرة عن استكمال العمل بسبب ظروف حملها، معتبراً أن هذا التغيير لم ينجح في الحفاظ على الملامح النفسية والاجتماعية والثقافية التي ارتبطت بها الشخصية لدى الجمهور.
ووصف سلامة أداء إلهام شاهين بأنه افتقر، من وجهة نظره، إلى العمق النفسي والعاطفي الذي تطلبته الشخصية، ورأى أن المقارنة بينها وبين أداء آثار الحكيم أظهرت اختلافاً واضحاً في استيعاب أبعاد شخصية «زهرة» وتقديمها درامياً.
كما ربط بين هذا التغيير وبين ما اعتبره تراجعاً في مستوى الارتباط الجماهيري بالجزأين الرابع والخامس، وهي قراءة نقدية تستدعي النظر إلى عناصر العمل الأخرى، بما فيها النص والإخراج وتطور الأحداث، قبل إصدار حكم شامل على أسباب اختلاف استقبال الجمهور للأجزاء المتعاقبة.
ملاحظات على الأداء.. بين التعبير الجسدي والإيقاع الصوتي
وتطرق منشور سلامة إلى عدد من الجوانب الفنية في أداء إلهام شاهين، من بينها طريقة التعبير بالجسد، واستخدام الحركة والانفعالات، ومدى توظيف هذه العناصر في خدمة الشخصية والبناء الدرامي.
كما انتقد ما اعتبره مبالغة في بعض التعبيرات الأدائية ومحاولة للفت الانتباه، على حساب التدرج النفسي للشخصية، مشيراً إلى أهمية الانضباط في استخدام طبقات الصوت والإيقاع الحواري والتعبير الانفعالي بما يتناسب مع طبيعة الموقف الدرامي.
وامتدت انتقاداته إلى اختيارات الفنانة في بعض أعمالها السينمائية، معتبراً أن الاعتماد على الجرأة الشكلية والمشاهد المثيرة للجدل لا يمثل بالضرورة معياراً للقيمة الفنية أو التأثير الإنساني.
وتظل هذه الملاحظات في إطار الرؤية النقدية التي طرحها سلامة، إذ إن تقييم الأداء التمثيلي يتطلب النظر إلى طبيعة الأدوار والسياقات الدرامية والمدارس الفنية المختلفة، وليس الاكتفاء بالانطباعات العامة.
الجزء السادس من «ليالي الحلمية».. هل يمكن استعادة نجاح الأعمال الخالدة؟
ولم يستثنِ سلامة الجزء السادس من «ليالي الحلمية» من انتقاداته، متناولاً التجربة التي جاءت بعد سنوات من انتهاء الأجزاء الخمسة الأولى، وشارك في كتابتها أيمن بهجت قمر وعمرو محمود ياسين، وأخرجها مجدي أبو عميرة.
ورأى سلامة أن التجربة لم تنجح في استعادة المكانة الفنية والجماهيرية التي احتلتها الأجزاء الأصلية، واعتبرها محاولة لم تستطع مجاراة التاريخ الدرامي للمسلسل الذي ارتبط في الذاكرة المصرية بأسماء وشخصيات وأحداث أصبحت جزءاً من الوجدان العام.
ويعيد هذا الجدل طرح سؤال مهم حول قدرة الأعمال الدرامية الناجحة على استعادة بريقها من خلال أجزاء جديدة، خاصة عندما تكون قد صنعت لنفسها مكانة راسخة لدى الجمهور، وأصبحت شخصياتها جزءاً من الذاكرة الثقافية والاجتماعية.
فنجاح «ليالي الحلمية» لم يكن قائماً على أداء الممثلين وحده، وإنما ارتبط أيضاً بعمق الكتابة الدرامية التي قدمها أسامة أنور عكاشة، وقدرتها على رصد التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع المصري عبر عقود، إلى جانب الرؤية الإخراجية والأداء الجماعي المتميز.
إلهام شاهين وتجربتها السينمائية.. بين الجوائز والقبول الجماهيري
وفي سياق انتقاداته، تناول سلامة التجربة السينمائية للفنانة إلهام شاهين، متشككاً في مدى نجاح عدد من الأعمال التي خاضت فيها تجربة الإنتاج، ومدى قدرتها على تحقيق قبول جماهيري واسع.
كما أبدى اعتراضه على ما اعتبره مبالغة في إبراز الجوائز والتكريمات والسجل الفني خلال الندوات والفعاليات، متسائلاً عن مدى كفاية هذه الشهادات في إثبات التأثير الحقيقي للفنان داخل المجتمع.
غير أن تقييم المسيرة الفنية لأي فنان يظل بحاجة إلى قراءة شاملة لمختلف أعماله، والتمييز بين النجاح التجاري والقيمة الفنية والتأثير الثقافي، فهذه معايير قد تتفق في بعض التجارب وقد تختلف في تجارب أخرى.
ولا يمكن اختزال مسيرة فنانة بحجم إلهام شاهين في دور واحد أو تجربة درامية بعينها، كما لا ينبغي أن تكون الجوائز وحدها معياراً نهائياً للحكم على القيمة الإبداعية لأي تجربة فنية.
صراع الوصاية الثقافية.. من يحدد قيمة الفن: الجمهور أم النخبة؟
ربما تمثل هذه النقطة الجانب الأكثر أهمية في منشور بهاء الدين سلامة، إذ تجاوز انتقاده حدود الأداء الفني إلى رفض ما وصفه بفرض النخبة الفنية لثقافتها وأعمالها على الجمهور، والتعامل مع الذائقة الجماهيرية باعتبارها أقل قيمة من الرؤى التي تتبناها بعض الدوائر الثقافية والفنية.
وأكد سلامة حق الجمهور في قبول الأعمال الفنية أو رفضها، معترضاً على اختزال الحكم على الفنان في الجوائز والتكريمات والفعاليات، بعيداً عن مدى تأثير أعماله في وجدان الناس وقدرتها على التعبير عن قضاياهم وتطلعاتهم.
وتطرح هذه الرؤية قضية ثقافية تستحق النقاش: من يمتلك حق تحديد قيمة العمل الفني؟ هل هي المؤسسات الفنية والنقاد والجوائز، أم الجمهور الذي يتفاعل مع العمل ويمنحه مساحة في ذاكرته ووجدانه؟
والحقيقة أن الفن لا يمكن اختزاله في معيار واحد؛ فالجوائز والتقدير النقدي قد يعكسان جوانب من القيمة الإبداعية، بينما يمثل التفاعل الجماهيري مؤشراً مهماً على قدرة العمل على الوصول إلى المجتمع.
ولا يعني ذلك أن الذائقة الجماهيرية معصومة من الخطأ، أو أن كل عمل يحقق نجاحاً جماهيرياً يمتلك بالضرورة قيمة فنية رفيعة.
وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول المكانة الثقافية أو الجوائز إلى حصانة تمنع النقد أو تجعل الفنان بمنأى عن تقييم الجمهور واختلاف آرائه.
الفن الحقيقي لا يحتاج إلى وصاية
وبعيداً عن الاتفاق أو الاختلاف مع تقييم بهاء الدين سلامة لأداء إلهام شاهين أو مجمل تجربتها الفنية، فإن الجدل يعيد طرح سؤال أعمق حول طبيعة العلاقة بين الفنان والمجتمع، وحدود التأثير المتبادل بين الإبداع والذائقة العامة.
فالفن ليس حكراً على النخبة، كما أن الجمهور ليس مجرد متلقٍ سلبي لما تقدمه المؤسسات الفنية والثقافية، بل يمتلك حق المناقشة والاختيار والرفض، مثلما يمتلك الفنان حق التعبير عن رؤيته الإبداعية دون وصاية.
وتبقى الأعمال الأكثر قدرة على البقاء في الذاكرة هي تلك التي تنجح في الجمع بين القيمة الفنية والصدق الإنساني والقدرة على التعبير عن المجتمع وتحولاته، بعيداً عن ضجيج المعارك الشخصية وسجالات مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي النهاية، قد يختلف النقاد والجمهور حول فنان أو عمل بعينه، لكن ما لا ينبغي الاختلاف عليه هو أن النقد حق، وأن حرية الإبداع لا تعني الحصانة من المساءلة الفنية، وأن قيمة الفنان الحقيقية لا تصنعها الجوائز وحدها، وإنما يسهم في تشكيلها ما يتركه من أثر في وجدان المجتمع وذاكرته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط