حفظ العقل… أمانةٌ تُصان، ونعمةٌ تُبنى بها الحياة بقلم: د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية
في زمنٍ تتزاحم فيه الأفكار، وتتسابق فيه الشائعات، وتُستدرج فيه العقول قبل الأقدام، يبقى العقل الواعي خط الدفاع الأول عن الإنسان، ودينه، وأخلاقه، ومستقبله.
فالله عز وجل لم يكرّم الإنسان بكثرة المال، ولا بقوة الجسد، وإنما كرّمه بالعقل الذي جعله مناط التكليف، وبه رفعه من مجرد الغريزة إلى مرتبة الوعي والإدراك والمسؤولية، فالعقل السليم ليس مجرد قدرة على التفكير، بل هو ميزانٌ يضبط الشهوة، ويهذب السلوك، ويمنع الإنسان من أن يهدم بيده ما بناه بعقله.
ولا شك أن العقل أعظم أدوات الإنسان في معرفة الحق وتمييز الصواب من الخطأ، ولذلك لم تترك الشريعة الإسلامية هذه النعمة دون حماية، بل جعلت حفظها واحدًا من الضروريات الخمس التي قامت عليها مقاصد الشريعة.
ومن هنا جاء حفظ العقل واحدًا من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة الإسلامية بحمايتها وصيانتها، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وهذه الضروريات تمثل أساس مصالح الناس، إذ لا تستقيم حياة الأفراد والمجتمعات إذا اختل واحد منها أو تعرض للعبث والإفساد.
وحين جاءت الشريعة بحفظ العقل، لم تكتفِ بالدعوة إلى استخدامه، وإنما أحاطته بسياج من الحماية، فحرمت كل ما يؤدي إلى إفساده أو تعطيل وظيفته، وفي مقدمة ذلك المسكرات والمخدرات، فقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ المائدة: 90.
فالخمر والمخدرات وسائر المسكرات والمغيبات ليست مجرد عادات ضارة، وإنما اعتداء على نعمة العقل، وتعطيلٌ للوعي، وفتحٌ لأبواب من الانحراف قد تبدأ بلحظة غفلة وتنتهي بخراب أسرة أو ضياع مستقبل أو جريمة لا تُمحى آثارها.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” كُلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وكُلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ، ومَن شَرِبَ الخَمرَ في الدُّنيا فماتَ وهو يُدمِنُها لَم يَتُبْ، لَم يَشرَبْها في الآخِرةِ” رواه مسلم، وهذا توجيه نبوي واضح إلى صيانة العقل من كل ما يغيّبه أو يفسده، لأن الإنسان حين يفقد وعيه يفقد جزءًا من قدرته على الاختيار السليم، وقد يرتكب في لحظة غياب ما يندم عليه حين يعود إليه رشده.
وإذا كان من حفظ العقل إبعاده عما يفسده من المسكرات والمخدرات، فإن من حفظه أيضًا يكون بما ينمّيه ويهذبه وذلك بإعماله في طلب الحق، وتغذيته بالعلم، وتدريبه على التفكير السليم، وحمايته من الجهل، والخرافة، والتعصب، والتضليل.
فلا شك أن العقل يحتاج إلى علمٍ نافع، وفكرٍ متزن، وصحبةٍ صالحة، وقراءةٍ واعية، وحوارٍ راشد، ونفسٍ لا تستسلم للخرافة والشائعات والأفكار المنحرفة، وقد امتلأ القرآن الكريم بالدعوة إلى التفكر والتدبر والنظر، وذم تعطيل العقل، فقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ الأنفال: 22، ففي الآية تنبيه إلى أن تعطيل العقل عن وظيفته، ورفض الحق بعد ظهوره، ليس نقصًا في المعرفة فحسب، بل انحرافٌ عن الغاية التي من أجلها وهب الله الإنسان نعمة الإدراك.
وفي زمن تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، أصبح حفظ العقل مسؤوليةً أشد إلحاحًا؛ فليس كل ما يُنشر حقيقة، وليس كل ما يقال يستحق التصديق، وليس كل ما يلمع في منصات التواصل يستحق أن يدخل إلى العقول والقلوب.
فإن من أخطر ما يهدد العقول اليوم الاستسلام للشائعة، والتعصب للرأي، وتلقي الأفكار بلا تمحيص، وإطلاق الأحكام بلا علم، فليس كل ما يُسمع يُصدَّق، ولا كل ما يُقال يُنقل، ولا كل فكرةٍ عابرة تستحق أن تجد لها موضعًا في العقل، وقد وضع القرآن قاعدة عظيمة في التعامل مع الأخبار، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ الحجرات: 6.
إنها دعوة إلى التثبت قبل الحكم، والتأني قبل النشر، والتفكير قبل الانفعال؛ لأن كلمةً واحدة قد تهدم سمعة إنسان، أو تزرع فتنة، أو تفسد علاقة، بينما كان يمكن للعقل المتثبت أن يوقفها عند بدايتها.
فالتثبت من الأخبار، وعدم الانسياق خلف الشائعات، ومراجعة المصادر، والتمييز بين الحقيقة والرأي؛ كلها صور معاصرة من صور حفظ العقل.
فكم من شائعة أفسدت علاقة، وكم من معلومة مضللة غيّرت قناعة، وكم من حكم متسرع ظلم إنسانًا، وكان يمكن للعقل المتزن أن يمنع كل ذلك لو توقف صاحبه لحظةً واحدة ليتثبت.
وبين سيل المعلومات المتدفق، وضجيج الآراء المتصارعة، أصبحت المحافظة على سلامة العقل ووعيه ورشده ضرورةً لا تقل أهمية عن حفظ الجسد من المرض.
فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس مرضًا في جسده، وإنما فسادٌ في عقله يجعله يرى الخطأ صوابًا، والباطل حقًا، والضرر منفعة.
ولا شك أيها القارئ الكريم أنه حين يحفظ الإنسان عقله، فإنه يحفظ معه دينه ونفسه وماله وأسرته ومجتمعه؛ فالعقل الواعي يعرف قيمة الوقت، ويحسن اختيار الصحبة، ويدرك عواقب القرارات، ولا يجعل نفسه أسيرًا لكل نزوة أو فكرة عابرة.
فالعقل الذي لا يقرأ، ولا يتعلم، ولا يتأمل، ولا يراجع أفكاره، قد يتحول مع الوقت إلى أسير لما ورثه أو لما يسمعه، ولو كان باطلًا.
ومن أعظم ما يفسد العقول أن يظن الإنسان أنه لا يخطئ، وأن رأيه وحده هو الصواب؛ فالعقل الناضج لا يخشى مراجعة نفسه، ولا يرى الاعتراف بالخطأ هزيمة، وإنما يراه انتصارًا للحقيقة.
وتبدأ مسؤولية حفظ العقل من الأسرة ولا تنتهي عند المؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية؛ فالأب والأم لا يربيان أبناءهما على السلوك فقط، وإنما يشاركان في تشكيل عقولهم وطريقة تفكيرهم ونظرتهم إلى الحياة.
فالطفل الذي يتعلم السؤال، والحوار، والبحث، والتثبت، واحترام الدليل، ينشأ أكثر قدرة على مواجهة الأفكار المنحرفة، وأقل قابلية للانقياد خلف كل مؤثر.
ومن هنا فإن تربية الأبناء على الوعي ليست ترفًا تربويًا، وإنما استثمار في مستقبل الأسرة والمجتمع والأمة.
إن الأمة التي تحفظ عقول أبنائها تحفظ مستقبلها؛ لأن العقول هي التي تصنع العلم، وتبني الحضارة، وتحمي القيم، وتواجه التحديات.
ولهذا فإن حفظ العقل ليس قضية فردية فحسب، بل قضية مجتمع وأمة؛ فحين تفسد العقول تنتشر الخرافة، ويضعف التفكير، ويصبح الإنسان فريسة سهلة لكل تضليل، أما حين تستقيم العقول بالعلم والإيمان والوعي، فإنها تتحول إلى قوة بناء وإصلاح.
فالمجتمع الواعي هو الذي لا يكتفي بكثرة المعلومات، وإنما يسعى إلى صناعة الوعي؛ لأن كثرة المعرفة بلا بصيرة قد تزيد الإنسان حيرة، بينما المعرفة المصحوبة بعقل ناقد وبصيرة راشدة تقوده إلى الصواب.
فالخلاصة أيها القارئ الكريم أن حفظ العقل واحد من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بحمايتها، وليس المقصود بحفظه فقط منعه من المسكرات والمخدرات، وإنما صيانته من كل ما يفسده أو يضلله، وتنميته بالعلم، وتربيته على التفكير الرشيد، وتعويده على التثبت والإنصاف.
فالعقل أمانة من الله، وبه يعرف الإنسان الحق، وبه يزن الأمور، وبه يعرف عواقب الطريق قبل أن يسلكه.
فإذا كان حفظ الدين يحفظ للإنسان إيمانه، وحفظ النفس يحفظ له حياته، وحفظ النسل يحفظ امتداده، وحفظ المال يحفظ معاشه؛ فإن حفظ العقل يحفظ له الأداة التي يعقل بها كل ذلك.
ولهذا كان حفظ العقل ضرورةً لا ترفًا، وأمانةً لا خيارًا، ومسؤوليةً لا تنتهي عند الفرد، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع والأمة بأسرها.
فاحفظ عقلك؛ فإنه بوابة بصيرتك، وميزان اختياراتك، وأحد أعظم ما ائتمنك الله عليه.
