حكومة منفصلة عن الواقع.. والمواطن تحت مقصلة الأسعار.. والتمسك بها يضاعف المعاناة بقلم : الناقد والمحلل السياسى الكاتب الصحفى محمد بهلول

0 21
يعيش المواطن المصري اليوم ظروفًا اقتصادية هي الأشد قسوة، حيث يجد نفسه يوميًا أمام مقصلة أسعار لا تتوقف عن الارتفاع، وضغوط معيشية طالت كافة السلع والخدمات الأساسية.
وفي مقابل هذه المعاناة اليومية، يقف الأداء الحكومي عاجزًا عن تقديم حلول ناجحة أو خطط إدارة تتناسب مع حجم ومكانة دولة بحجم مصر، مما يطرح تساؤلات ملحة حول جدوى التمسك بتشكيل حكومي أثبتت التجربة الميدانية انسداد أفاقه وتكرار عثراته.
غياب الشفافية والخطاب المستفز
أولى مظاهر الأزمة تتجلى في انعدام الشفافية عند طرح الحقائق للرأي العام؛ فبدلًا من تقديم المكاشفة والمصارحة بحقيقة الأوضاع والأرقام والمسببات، تلجأ الحكومة إلى خطاب إعلامي ينفصل تمامًا عن الواقع المعاش.
وتزداد حالة الاحتقان عندما تخرج تصريحات رسمية من رئيس الحكومة أو وزرائه تتغنى بتكبد مشاقة العمل والاستغراق في اجتماعات لا تنتهي دون نوم، وهو نبرة يُفترض أنها تعكس القيام بالواجب الوظيفي، لكنها تتحول إلى مادة لاستفزاز الشارع الذي يسأل عن النتائج الملموسة لا عن ساعات السهر والاجتماعات.
شماعة الدعم وتهميش الموارد
من المفارقات اللافتة في الخطاب الحكومي، الإصرار الدائم على تصوير “الدعم” كعبء ثقيل يلتهم موارد الدولة، والربط الشرطي بين تحريك الأسعار وتخفيف هذا العبء.
هذا الطرح يرسخ لدى المواطن شعورًا غير حقيقي بأن مصر دولة بلا موارد. والحقيقة المعاكسة تشير إلى أن مصر تمتلك مقومات واعدة وموارد طبيعية وبشرية وجغرافية فريدة، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في كفاءة الإدارة وصياغة الأولويات وسبل استغلال هذه الثروات.
ومن هنا، يبرز السؤال الجوهري: هل الشعب هو الذي يشكل عبئًا على الدولة، أم أن ضعف إدارة الملفات والسياسات الاقتصادية هو العبء الحقيقي الذي يثقل كاهل الدولة والشعب معًا؟
إنكار الواقع وصمت المؤسسات الرقابية
تأتي تصريحات رئيس الحكومة حول التفاؤل بقرارات وشعور الشارع بتحسن قريب كعامل إضافي يعمق الفجوة بين المسئول والشارع، إذ تبدو تلك التصريحات وكأنها توصف أحوال مجتمع آخر، مما يعكس انفصالاً تاما عن المعاناة اليومية في الأسواق.
وفي ظل هذه الضغوط، يتساءل الرأي العام عن أسباب الاستمرار في الرهان على هذا الفريق الحكومي وتأخر قرار إقالته أو إعادة تشكيله بالكامل.
كما يتجه نقد واسع نحو مجلس النواب، المفترض أنه الممثل الشرعي للشارع والأداة الرقابية الأولى؛ حيث يثير صمته وتراجع استخدام أدواته الرقابية الحازمة —كالاستجوابات وسحب الثقة— علامات استفهام حول مدى قيامه بدور النيابة عن الشعب في تصحيح مسار الجهاز التنفيذي.
إن المرحلة الراهنة تتطلب تغييرًا جذريًا في الفلسفة الإدارية والسياسات الاقتصادية، يعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، ويقوم على الكفاءة والشفافية وحسن إدارة موارد البلاد، بعيدًا عن الرهان على صبر المواطن أو إثقال كاهله بمزيد من القرارات المؤلمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط