عفيفى عبد الحميد يكتب ….. فتنة الإمارات و انهيار الخليج
صدمة كبيرة وانشقاق للخليج . بعد أن قررت الإمارات الخرج من منظمة “أوبك” جاء ذلك فى الوقت ينتظر فيه العالم كله استقرار أسعار الطاقة،
قررت الإمارات التخلى عن الحلفاء الخليجيين، لتبني إمبراطورية غاز بمليارات الدولارات في قلب أمريكا .
ليس هذا مجرد خبر اقتصادي عادي، ولكنه بمثابة زلزال حقيقي في قلب النظام الذى يتحكم في أسعار النفط منذ أكثر من 60 عام … ويرجع السبب فى ذلك أن الإمارات ليست دولة صغيرة داخل المنظمة و لكنها هى ثالث أكبر منتج فيها، وواحدة من الأعمدة الأساسية الموجودة بـ”أوبك” التى تعتمد عليها ، و التى يتحدد من خلالها سعر النفط في العالم كله .
لذلك كان علينا تفسير الوضع فى ظل الأحداث الجديدة والأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية المترتبة عليه .
وبدأت الأحداث بإعلان رسمي من وكالة الأنباء الإماراتية، بإن الإمارات سوف تنسحب من منظمة “أوبك” و”أوبك بلس” بداية من 1 مايو 2026… وبحسب الإعلان، فهذا القرار هو جزء من “رؤية استراتيجية طويلة المدى” لدعم الاقتصاد الإماراتي… ومعناه المباشر الذى قد يغفل عنه البعض هو أن الإمارات قررت تتحرر من القيود اللي كانت مفروضة عليها بخصوص الإنتاج بسبب كونها عضو في المنظمة، وتبدأ تاخد قراراتها بنفسها .
و تنتج ما تشاء وتبيع في الوقت الذى يناسبها . دون الإلتزام بأى شىء فلا يعنيها مصالح دول أخرى وخصوصًا السعودية .
و عليه و لمن لا يعلم ما هى منظمة “أوبك” ؟
“أوبك OPEC” فهي تحالف ما بين الدول المصدرة للنفط، وهى منظمة دولية دائمة تأسست سنة 1960، وتضم أهم الدول المنتجة للنفط في العالم، مثل السعودية والإمارات والكويت والعراق وإيران وفنزويلا… وهدفها الأساسي هو تنسيق وتوحيد سياسات البترول لضمان استقرار أسعار النفط في الأسواق العالمية وتأمين دخل عادل للدول الأعضاء .
و هذا يعني أن فائدة المنظمة هو التنسيق مع الأعضاء و الإتفاق بينهم على أي قرار بزيادة أو خفض إنتاج البترول، لكى يتم الحفاظ على أسعار النفط عالميًا و لكى لا تحدث صدمات أو مشاكل اقتصادية للبعض .
و هنا يجب طرح السؤال …. لماذا خروج الإمارات من المنظمة فى هذا الوقت بالتحديد ؟
الإجابة ببساطة هي المصالح والفلوس والاستثمارات .
فقد أعلنت الإمارات منذ عدة أشهر انها استثمرت مليارات الدولارات (أكتر من 150 مليار دولار حسب بعض المصادر)، لكى تزود قدرتها الإنتاجية من النفط، وترفعها من حوالي 3.5 مليون برميل يوميًا حاليا (وفقًا لبيانات 2026-2025)، لحوالي 5 مليون برميل يوميًا بحلول 2027
والمشكلة التى كانت تواجه الإمارات في هذه القرارات ، هي أن قوانين منظمة “أوبك” تمنعها من زيادة الإنتاج وزيادة المعروض من النفط في العالم، للحافظ على الأسعار .
ومن هنا بدأت الأزمة .
فقد رأت الإمارات إنها بذلك تتكبد خسائر كبيرة و فرص كبيرة، لأنها استثمرت بمبالغ ضخمة في زيادة انتاج النفط ، و لا تستطيع الإستفادة منها لوجودها داخل المنظمة و أن إنتاحها من النفط لابد أن يكون محسوب و معلوم لذلك قررت كسر القاعدة والخرج من المنظمة كلها، لتبدأ العمل بمفردها تمامًا .
ولكن هذا القرار يضر بشكل مباشر أهم حليف في الخليج و هى السعودية .
ويعد خروج الإمارات من المنظمة وجود صراع غير معلن داخل الخليج نفسه، و أن التنسيق مع السعودية التى تعتبر أكبر عضو في أوبك وصل لطريق مسدود والسبب ببساطة هو تضارب المصالح الكبير ما بين الاتنين .
السعودية تريد أسعار النفط مرتفعة كما هى لكى تمول من خلالها مشاريعها الضخمة وتدعم خطتها (رؤية 2030) للتحول باقتصادها بعيد عن الاعتماد المطلق على النفط .
و هذا بالفعل ما يعملون لأجله منذ عدة سنوات .من خلال دعم السياحة والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا وبناء المدن والمشاريع الجديدة والسينما وغير ذلك . و كل ما يجذب من خلاله الاستثمارات العالمية لأرضها وتعمل نهضة اقتصادية .
ولكن الإمارات على الجهة الأخرى ليست راضية أن تسحب السعودية البساط و الاستثمارات من تحت أقدامها . لذلك قررت ان تزود انتاجها من النفط والغاز وتبيع منه أكثر بهدف الحصول نفوذ جيوسياسي أكبر في العالم .
كيف …..؟
لأن الطلب على الغاز فى الوقت الحالى يزداد بشكل كبير و خصوصًا مع ثورة الذكاء الاصطناعي والعدد الكبير من مراكز البيانات التى تبني في أمريكا وأوروبا وحتى الصين، كل هذا يحتاج إلى كميات كبيرة من الطاقة والغازللتشغيل . والإمارات تريد أن تكون لاعب رئيسي في هذا المستقبل. بالتالي زيادة إنتاج النفط و الغاز وخصوصًا الغاز، بذلك سوف يكون لها نفوذ استراتيجي أكبر، و يجعلها تستحوذ على جزء من استثمارات الذكاء الاصطناعي التى هي أساس الاقتصاد العالمي دلوقتي .
لكن المشكلة في ذلك أن زيادة انتاج الإمارات وبيعها للنفط، يؤدي لزيادة المعروض بشكل ضخم وعليه إنخفاض الأسعار بشكل كبير فقد نجد برميل النفط يوصل لـ 50 أو 60 دولارو هذا بالطبع سوف يكون فى صالح الدول التى تقوم باستيراد الطاقة . مثل أوروبا، و سوف تكون فاتورة استيراد الطاقة عندنا في مصر أقل ، و سوف يخفف الضغط على الموارد الدولارية والاقتصاد .
لكنه في نفس الوقت كابوس لدول كثيرة معتمدة على سعر النفط العالي مثل السعودية، و قد يؤدىإلى إنهيار اقتصادها بشكل مباشر .
ليس الخطر في إنهيار السعر فقط و لكن الخطر في هذا القرار هو كسر هيبة أوبك كلها وقد يتسبب في تفكيك المنظمة… لأنه بانسحاب عضو مهم فى المنظمة مثل الإمارات قد ينسحب آخرون. و حينها سوف يتحول سوق النفط من نظام متحكم فيه لسوق مفتوح كل يفعل ما يشاء لصالحه فقط لتكون فوضى بلا ضابط و لا رابط .
و مثل هذا الخبر يسعد الولايات المتحدة لأن النفط الرخيص معناه تضخم أقل في الاقتصاد الأمريكي و هذا يخدم توجهات ترامب و هو إنخفاض سعر الطاقة لكى يتم إنعاش الاقتصاد و تشغيل والمصانع ويقلل الضغط على الناخب الأمريكي .
و بذلك تكون الإمارات تقوم بإنقاذ ترامب وتخفف الضغط عليه بشكل مباشر .
و لكن المفاجأة الأكبر أنه فى نفس الوقت التى إتخذت فيه الإمارات هذا القرار اخذت فيه خطوة ثانية في الاتجاه العكسي، وأعلنت عن استثمارات ضخمة بعشرات المليارات، في قلب صناعة النفط والغاز في أمريكا .
فمنذ عدة ساعات في تقرير من “الفاينانشال تايمز” كشف إن شركة “أدنوك” الإماراتية – Abu Dhabi National Oil Company – بتخطط لضخ عشرات المليارات من الدولارات في الولايات المتحدة، لبناء بيزنس غاز متكامل .
ليست الخطة فى استخراج الغاز لا و لكن إعادة 29 صفقة كاملين، يسيطروا بها على كامل السلسلة الأمريكية لإنتاج الغاز؛ بداية من الحقول للمواسير لمحطات التسييل، وصولًا لامتلاك المحطات نفسها التى تصدر الغاز لدول تانية .
و ما معنى ذلك ………؟
معناه شيئين .
أولا : حاجة الإمارات بتقدم هدية لترامب وأمريكا… طاقة رخيصة ومضمونة تشغل المصانع وتغذي مراكز البيانات Data Centers اللي محتاجة كميات كهرباء خرافية لتشغل نماذج الذكاء الاصطناعي… و بذلك تؤمن وتعمق تحالفها مع الأمريكان .
ثانيا : إنها تحلل نفسها من قيود أوبك وتخرج من التحالف الخليجي والعربي لكى تأمن نفسها بعيدًا عن تقلبات الخليج وحروبه مع إيران .
وفي النهاية… لو نظرت على الصورة كاملة سوف تفهم أن هذا ليس مجرد قرار خروج من منظمة… نحن أمام قدام شرخ كبير في قلب التحالف الخليجي نفسه وانتقال من مرحلة توافق الرؤى والمصالح، لمرحلة الانشقاق أن كل لا يعنيه إلا مصلحته دون مراعاة مصالح الأشقاء