بين سُعار الشهرة وسكينة العزلة.. “الطريق البديل” يقرأ في دفتر “المنسحبين” بمرآة د.عمار علي حسن بقلم الكاتب الصحفى محمد بهلول
في مقالٍ ضجّ بالأبعاد الفلسفية والنقدية، فتح الكاتب والمفكر الدكتور عمار علي حسن ملفاً من أكثر ملفات الوسط الثقافي حساسية؛ وهو ملف “شهوة الشهرة” التي وصفها بأنها أشد سُعاراً من اشتهاء الجنس،
واضعاً المبدعين أمام مرآة قاسية تفرق بين من يبيعون “أرواحهم وقناعاتهم” في سبيل الحفاظ على مكان تحت دائرة الضوء، وبين من اختاروا “الظل” ترفعاً أو زهداً أو انكساراً.
سُعار الشهرة وتنازلات القلم
يرصد عمار علي حسن ظاهرة “أرباب القلم” الذين يقدمون تنازلات فادحة للهروب من ظلال “العتمة والإهمال”، مؤكداً أن الخوف من النسيان دفع الكثيرين إلى طرق أبواب “التبعية” أو “التجويد المصطنع” للبقاء في الصورة. وفي المقابل، يبرز القابضون على جمر مبادئهم، الذين دفعوا ثمن “الترفع” إقصاءً منظماً وإخراجاً قسرياً من المشهد.
أمثلة من الواقع: عادل كامل ومحفوظ.. مفارقة المادة والإبداع
يسلط التقرير الضوء على قصة عادل كامل، الذي كان يوماً “رأس حربة” موازياً لنجيب محفوظ، لكنه هجر الكتابة فور إدراكه أنها لا “تطعم خبزاً”، مفضلاً المحاماة لضمان حياة كريمة. والمفارقة المذهلة التي يرويها عمار هي “دهشة الندم” في عيني كامل حين عرف قيمة جائزة نوبل المالية، وكأن “هجران الكتابة” لم يكن اختياراً فلسفياً فحسب، بل كان حساباً مادياً أدى في النهاية إلى “صدأ القلم”.
المخزنجي وحافظ رجب: الزهد في زمن الضجيج
ينتقل المقال لنماذج مصرية معاصرة اختارت الظل بمحض إرادتها:
-
محمد المخزنجي: الذي يصفه عمار بأنه “أمثولة لفساد ذوق الوسط الثقافي”، فبرغم جدارته بأرفع الجوائز، إلا أن ترفعه عن “قلق الانتظار” وتصديق القوائم الطويلة والقصيرة جعله يفضل عزلته، متمسكاً بكرامة المبدع الذي لا يطلب وداً من مؤسسات لا تقدر العفاف.
-
محمد حافظ رجب: رائد التجديد الذي غاب في ذروة تألقه بالأسكندرية، ليظل لغزاً جميلاً في عيون الأجيال الجديدة، قبل أن تخرجه مكتبة الإسكندرية من قوقعته في أيامه الأخيرة.
العزلة كظاهرة عالمية وتاريخية
لم يكتفِ عمار بالحالة المصرية، بل ربطها بجذورها العالمية والتاريخية، مستحضراً:
-
عربياً: زهد بشر الحافي، وعزلة المعري “رهين المحبسين”، واعتزال مصطفى محمود في سنواته الأخيرة.
-
عالمياً: صمويل بيكيت الهروب من الإعلام، وكافكا بضياعه الوجودي، ونيتشه بإحباطه من المجتمع، وصولاً إلى “بيير بورديو” الذي وصف التلفاز بأنه “جهاز تشويه المعاني”.
لماذا يهربون من الضوء؟
يختتم عمار علي حسن تحليله بتفكيك أسباب “الفرار إلى الظل”، والتي حصرها في:
-
أسباب نفسية: مثل الاكتئاب والحساسية المفرطة تجاه النقد.
-
أسباب فلسفية: الزهد والترفع عن قيم الاستهلاك والضجيج.
-
أسباب صحية: كما حدث في أواخر أيام طه حسين ومجيد طوبيا.
-
أسباب سياسية: مثل حالة جمال حمدان الذي فضل العزلة إحباطاً من أوضاع الواقع أو خوفاً من تصادمات لا تجدي.