بأمر الحكومة: تفريغ الصحافة من مضمونها وتحويل الصحفيين إلى “مُخبري بيانات” بقلم: الناقد والمحلل السياسي – الكاتب الصحفي محمد بهلول

0 2
لا يمكن لبلدٍ يتطلع نحو المستقبل، ويؤسس لجمهورية تقوم على الشفافية والمساءلة، أن يترك “الشرعية الدستورية” للصحافة فريسةً لقرارات تنظييمة معيبة وتوجهات بيروقراطية تجفف منابع الحقيقة. إن المعركة الراهنة لاسترداد هيبة الصحافة والصحفيين ليست معركة فئوية تخص المشتغلين بالمهنة وحدهم، بل هي معركة المجتمع ككل لحماية حقه في المعرفة وفي رقابة أداء مؤسساته التي يمولها من جيبه وقوته.
اليوم، تقف الصحافة المصرية الميدانية أمام حائط سدّ صلب، شُيِّد ببلوكات تشريعية وقرارات إدارية أقل ما توصف به أنها “تغول بيروقراطي”.
فبين نصوص قانونية تفرض على الصحفي الحصول على إذن مسبق وتصريح أمني أو إداري للتغطية داخل المؤسسات والمرافق العامة، وبين قرار رئيس الوزراء بمنع المسؤولين من الإدلاء بأي تصريحات أو إجراء لقاءات صحفية إلا بعد الرجوع لمكاتب العلاقات العامة بالوزارات؛ نجد أنفسنا أمام آلية ثلاثية الأبعاد، تستهدف فرض المركزية الشديدة، والرقابة المسبقة، وتحصين المسؤول التنفيذي من المساءلة الفورية.
أولاً: تفكيك البنية الفكرية لقيود التغطية
القراءة المتأنية في فلسفة هذه القرارات تكشف عن خلل بنيوي حاد في فهم طبيعة الوظيفة الاجتماعية للصحافة، ويمكن تلخيص هذا الخلل في ثلاثة مظاهر رئيسية:
1. تحويل “الحق الدستوري” إلى “منحة إدارية”: الأصل الدستوري والمهني الثابت هو أن المرافق العامة من مستشفيات، ومدارس، ومحليات، ومشروعات خدمية، هي ملكية عامة للشعب، والصحفي ليس سوى “عين هذا الشعب” ووكيله الشرعي لرقابة الأداء وتقييم الخدمات.
عندما يتحول دخول هذه الأماكن من حق أصيل يكفله “كارنيه النقابة الرسمية” إلى “منحة” مرهونة برضا موظف أو صدور تصريح مسبق، فإن القيمة الرقابية للصحافة تسقط فوراً، ويتحول الحارس إلى مستأذن.
2. مأسسة “البروباجندا” واغتيال عنصر المفاجأة: إن وظيفة إدارات العلاقات العامة في أي مؤسسة حكومية هي وظيفة تجميلية وتسويقية بالأساس، وليست معنية بكشف الحقائق أو مواجهة السلبيات.
حين يُلزم الصحفي بتقديم طلب تصريح مسبق، فإن الجهة الحكومية تأخذ علماً بالزيارة ووقتها، فتقوم “بتجميل الواقع مؤقتاً” وإخفاء العيوب خلف الستائر، مما يقتل “عنصر المفاجأة” الذي قامت عليه أعتى الصحف الاستقصائية ومحاربة الفساد والإهمال عبر التاريخ.
3. صناعة “المسؤول المرتجف”: إن قرار حظر تصريحات المسؤولين المحليين والتنفيذيين بالأقاليم (من رؤساء أحياء، ومراكز، ومديري مستشفيات، ووكلاء وزارات) إلا بعد التنسيق مع العاصمة، قد نزع الصلاحية والهيبة من المسؤول الميداني نفسه.
لقد تحول المسؤول لقمة سائغة للخوف؛ يتجنب الصحافة، ويهرب من الكاميرا، ويفضل الصمت التام خوفاً من مقصلة العقاب الإداري، مما خلق جداراً عازلاً وسميكاً بين متخذ القرار المحلي والشارع الذي يغلي بالمشكلات.
ثانياً: التداعيات الكارثية على الدولة والمجتمع
إن تجفيف منابع الخبر وفرض بيئة إعلامية مغلقة لا يتوقف أثره السيئ عند حدود تراجع مبيعات الصحف أو قلة زيارات المواقع الإلكترونية، بل يمتد ليضرب الأمن السلمي للمجتمع في مقتل عبر تداعيات خطيرة:
  • ازدهار الشائعات وفوضى “صحافة المواطن”: عندما يُمنع الصحفي المهني والمحترف والمحكوم بقوانين نقابته ومواثيق الشرف من التغطية الحية، فإن الواقع لا يتوقف عن الحركة والأزمات لا تختفي.
  • البديل الجاهز فوراً هو “المواطن العادي” الذي يلتقط هاتفه ويصور الأزمة وينشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي مشفوعة بتفسيرات عشوائية أو مغرضة.
  • والنتيجة الحتمية: انتشار مرعب للشائعات، وغياب للرواية المتزنة، وفقدان الدولة لسيطرتها الإعلامية لصالح الفوضى الرقمية.
  • تدني وتجريف الصحافة المحلية (الأقاليم): هذه القيود تضرب صحافة المحافظات في مقتل, فالصحفي الميداني الذي يتابع مشاكل الفلاحين، أو القطاع الصحي، أو أزمات المحليات على الأرض، أصبح عاجزاً مكبلاً؛ وبمقارنة بسيطة نرى عمق المأزق:
    • في الوضع الطبيعي: نجد المبادرة والديناميكية، حيث يتنقل الصحفي فوراً لموقع الحدث وينقل نبض الشارع، معتمداً على تعدد المصادر وصناعة المصداقية.
    • في ظل قيود التصاريح المسبقة: يحل الجمود البيروقراطي بانتظار موافقة تستغرق أياماً تفقد الخبر قيمته، وتُفرض أحادية الرواية عبر بيانات العلاقات العامة “المعلبة”، مما يؤدي في النهاية إلى تآكل مصداقية الصحف وانصراف الجمهور عنها.
  • هجرة الكفاءات المهنية وتفريغ المهنة: عندما يجد الصحفي المحترف نفسه محاصراً بين “منع التصوير” و”صمت المسؤول”، يتحول شغفه إلى رماد، ويتحول كاتب الرأي والتحقيق إلى مجرد “موظف أرشيف” ينسخ البيانات الحكومية.
  • هذا الإحباط يدفع العقول والكفاءات الحقيقية إما لهجرة المهنة أو للعمل بالمنصات الخارجية، مما يفرغ قوتنا الناعمة من مضمونها.
  • حجب الحقائق عن “صانع القرار الرئاسي”: لعله الأثر الأكثر خطورة؛ فالقيادات العليا في العاصمة تعتمد في كثير من الأحيان على الصحافة الحرة لكشف القصور في الأقاليم، لأن التقارير الإدارية التي ترفعها القيادات الوسطى تكون دائماً “وردية” وخالية من المشاكل.
  • منع الصحفي من كشف السلبيات يعني بالضرورة “تضليل صانع القرار نفسه”، وحجب الواقع الحقيقي عنه، مما يؤدي لتراكم الأزمات تحت الرماد حتى تنفجر فجأة.
كارنيه النقابة هو التصريح
إن هذه التشريعات المعيبة والقرارات الداخلية، وإن تجمّلت خلف شعارات “تنظيم العمل وضبط المشهد”، إلا أنها في العمق تفريغ ممنهج لأي مبادرة تستهدف “استرداد هيبة الصحافة”.
لا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن هيبة أو كرامة لصحفي يقف مرتجفاً أو ذليلاً على أبواب مكاتب العلاقات العامة ينتظر إشارة بالدخول ليؤدي واجبه الوطني.
إن الإصلاح التشريعي الحقيقي، وحماية أمن هذا الوطن، يبدأ من الإلغاء الفوري لهذه القيود البيروقراطية، والاعتراف القاطع بأن “كارنيه نقابة الصحفيين” هو التصريح الوحيد، الدائم، والمشروع، لدخول المرافق العامة ونقل الحقيقة للرأي العام.
وعلی الجميع أن يعلم: الصحافة الحرة ليست عبئاً على الدولة، بل هي خط دفاعها الأول.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط