المحلل والناقد السياسي الكاتب الصحفي محمد بهلول يكتب: عندما قال كامل الزهيري للسادات “العضوية كالجنسية”.. ملحمة القلعة الحرة

0 116

لم تكن عبارة “العضوية كالجنسية” مجرد جملة عابرة في سجلات نقابة الصحفيين، بل كانت “مانشيت” تاريخي لخص معركة الوجود بين السلطة والقلم, حين نطق بها الكاتب الصحفى كامل الزهيري (نقيب النقباء) في وجه الرئيس محمد أنور السادات، كان يستند إلى إرث نضالي طويل، رسخه جيل الرواد لتبقى النقابة قلعة عصية على التطويع، وجسداً قد يمرض لكنه أبداً لا يموت.

جذور التأسيس: صناعة الاستقلال (1941)
لم تخرج نقابة الصحفيين بقرار سلطوي، بل انتُزعت انتزاعاً بجهود الرعيل الأول الذي آمن بأن الحرية هي أكسجين المهنة:

محمود أبو الفتح: أول نقيب للصحفيين و”مهندس الاستقلال”. خاض معارك شرسة لإثبات أن الصحافة “رسالة” وليست “حرفة”، كما وضع حجر الأساس للاستقلال المادي عبر نظام “الدمغة الصحفية”، مؤمناً بأن من يملك لقمة عيش الصحفي يملك قلمه.

محمد التابعي: “أمير الصحافة” الذي صاغ معايير الشرف المهني، وجعل من النقابة حصناً أخلاقياً يمنع اختراق المهنة من قِبل السلطة.

ومعهما جبرائيل تقلا (صاحب الأهرام): وهو من الشخصيات المحورية في اللجنة التي ضغطت على الحكومة والملك لإصدار القانون, بصفته صاحب “الأهرام”، منح المشروع ثقلاً مؤسسياً ومادياً كبيراً.

فكري أباظة (فارس الكلمة): الذي لُقب بـ “نقيب الصحفيين” لاحقاً (تولى المنصب عام 1944), كان صوت النقابة الصارخ في البرلمان، واستخدم بلاغته وسلاطة لسانه في الدفاع عن حقوق الصحفيين وحصانتهم تجاه السلطة.

مصطفى القشاشي: كان من أكثر المتحمسين لفكرة الكيان النقابي، وتولى منصب السكرتير العام في أول مجلس للنقابة، وكان له دور تنظيمي هائل في جمع شتات الصحفيين تحت راية واحدة.

منذ تلك اللحظة، تأسست العلاقة مع الأنظمة المتعاقبة على قاعدة “الندية لا التبعية”؛ فواجهت النقابة الملك فاروق، وصمدت أمام قرارات التأميم في عهد عبد الناصر، وصولاً إلى المواجهة الكبرى في عهد السادات.

قوة النقابة: الجمعية العمومية هي السلاح
تستمد النقابة قوتها الحقيقية من وحدة جمعيتها العمومية؛ فهي السلاح الفتاك الذي استخدمه الصحفيون لتعطيل القوانين المقيدة للحريات عبر الاعتصامات والمقاطعة، مما جعل مبنى “شارع عبد الخالق ثروت” بمثابة “دولة داخل الدولة” ومنطقة محرمة على محاولات التدجين.

المواجهة الكبرى: الصدام مع السادات و”قانون العيب”
في أواخر السبعينيات، تصاعد التوتر بسبب معارضة النقابة لسياسات السلطة. حاول النظام حينها الالتفاف على النقابة عبر خطتين: تحويلها إلى “نادي اجتماعي” خاضع للوزارة، واستحداث “قانون حماية القيم من العيب” لملاحقة الصحفيين أمام محاكم استثنائية.

هنا وقف كامل الزهيري ليعلن رفضه القاطع لمخطط شطب المعارضين، مطلقاً صيحته التي أربكت السلطة قانونياً:

“إن عضوية النقابة كالجنسية.. لا تُمنح بقرار، ولا تُسحب بقرار، بل هي حق طبيعي لمن يمارس المهنة، ولا يملك أحد انتزاعها إلا بحكم قضائي بات.”

لقد نجح الزهيري في تحويل المعركة من صراع سياسي إلى قضية “وجود وهية”، مؤكداً أن النقد السياسي ليس “عيباً” بل هو صلب المهمة الوطنية.

النقابة كالجسد: تمرض لكنها لا تموت
إن تاريخ النقابة يعلمنا حقيقة جوهرية؛ وهي أنها مثل الجسد الحي، قد تمر بوعكات صحية، أو فترات من البيات الشتوي بسبب الحصار المالي أو التضييق الأمني، لكنها أبداً لا تزهق روحها. سر البقاء يكمن في أنها كيان مؤسسي يتوارث جينات التمرد والمهنية جيلاً بعد جيل؛ ففي كل مرة ظن فيها البعض أن النقابة قد استُؤنست، كانت الجمعية العمومية تنتفض من تحت الرماد لتسترد كرامة القلم.

الخاتمة: الأنظمة تمر والنقابة تبقى
إن معركة “العضوية كالجنسية” لم تكن دفاعاً عن بطاقة عضوية، بل كانت دفاعاً عن آخر معاقل الحرية. لقد أثبت التاريخ أن العلاقة بين النظام والنقابة ستظل دائماً صراعاً بين من يريد “بوقاً” ومن يريد “مرآة”. رحل السادات والزهيري، وبقي مبنى النقابة شاهداً على أن الجماعة الصحفية إذا اتحدت، أصبح قلمها هو “جنسيتها” التي لا تقبل الإسقاط ولا المصادرة.

عن الكاتب:
محمد بهلول
كاتب صحفي، محلل وناقد سياسي، ورئيس تحرير “بوابة الطريق البديل”. عضو الجمعية العمومية بنقابة الصحفيين الذي كرس مسيرته المهنية للدفاع عن الحريات وتوثيق معارك الاستقلال المهني, عُرف بعمق انتمائه وحبه الشديد للوطن، وهما الدافع المحرك والقوة الدافعة لكل معاركه وقناعاته الصحفية، إيماناً منه بأن كرامة الصحافة هي جزء لا يتجزأ من كرامة الوطن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط