د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية يكتب:انحراف الشباب .. ناقوس خطر يدق أبواب المجتمع (الأسباب وسبل المعالجة)

0 1٬059

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، يقف المجتمع أمام تساؤل مقلق يتردد في المجالس ووسائل الإعلام: إلى أين يتجه شبابنا؟ فالشباب، وهم عماد الحاضر وأمل المستقبل، يواجهون تحديات فكرية وقيمية غير مسبوقة، جعلت مظاهر الانحراف تطفو على السطح، لا بوصفها حالات فردية عابرة، بل كظاهرة تستوجب التوقف عندها بوعي ومسؤولية.

فلا يقتصر انحراف الشباب على الممارسات المخالفة للقانون أو الأعراف فحسب، بل يمتد ليشمل الانحراف الفكري والقيمي، حين يبتعد الشاب عن منظومة القيم الدينية والأخلاقية التي شكّلت هوية المجتمع، وينجرف خلف أفكار أو أنماط حياة دخيلة تُسوَّق أحيانًا تحت شعارات براقة.

يرى مختصون أن ضعف الوازع الديني والتربوي يُعدّ من أبرز أسباب الانحراف، إذ يؤدي غياب التوجيه القيمي المتوازن إلى فراغ فكري وروحي، يجعل بعض الشباب فريسة سهلة للأفكار المنحرفة.

وتبقى الأسرة العامل الأهم في تشكيل شخصية الشاب؛ فالتفكك الأسري، أو غياب القدوة، أو ضعف الحوار داخل البيت، كلها عوامل تسهم في دفع الشاب للبحث عن الانتماء خارج محيطه الطبيعي.

كما لا يمكن إغفال الضغوط الاقتصادية، مثل البطالة وقلّة الفرص، التي تولّد الإحباط والشعور بعدم الجدوى، ما قد يدفع بعض الشباب إلى مسارات خاطئة تعبيرًا عن الغضب أو الهروب من الواقع.

وفي عصر الإعلام المفتوح، أسهمت بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل وعي الشباب، عبر الترويج لأنماط سلوكية وقيم لا تنسجم مع ثقافة المجتمع، دون إبراز آثارها السلبية بعيدة المدى.

ومما لا ريب أن نتائج انحراف الشباب لا تقف عند حدود الفرد، بل تمتد لتصيب المجتمع بأكمله، من خلال تراجع منظومة القيم، وضعف الانتماء، وظهور مشكلات اجتماعية وأمنية، فضلًا عن إهدار طاقات بشرية كان يمكن أن تسهم في التنمية والبناء.

وتؤكد التجارب أن معالجة هذه الظاهرة لا تتحقق بالوعظ أو العقاب وحدهما، بل تتطلب رؤية شمولية تبدأ بتعزيز التربية القائمة على الوسطية والاعتدال، وفتح قنوات الحوار مع الشباب، والاستماع إلى قضاياهم وتطلعاتهم.

كما يقع على عاتق الإعلام دور محوري في تقديم خطاب متوازن، يُبرز النماذج الإيجابية وقصص النجاح، ويبتعد عن المحتوى المثير أو الهدّام الذي يكرّس السلوكيات السلبية.

ولا يقل أهمية عن ذلك تمكين الشباب اقتصاديًا واجتماعيًا، عبر توفير فرص العمل، ودعم المبادرات الشبابية، وإشراكهم في صناعة القرار، بما يعزز شعورهم بالمسؤولية والانتماء.

ولا شك أن الحديث عن انحراف الشباب ليس اتهامًا لجيل بأكمله، بل دعوة صريحة لمراجعة أدوارنا جميعًا.

فالشباب مرآة مجتمعاتهم، وما نراه اليوم من انحرافات ما هو إلا نتيجة تراكمات في التربية، والإعلام، والسياسات الاجتماعية.

فإن احتواء الشباب، والإيمان بقدراتهم، ومنحهم الثقة والفرص، هو الطريق الأقصر لحماية المجتمع من هذا الخطر الصامت.

فحين نُحسن الاستثمار في عقولهم وقيمهم، نغلق أبواب الانحراف، ونفتح أبواب الأمل لمستقبل أكثر استقرارًا وتماسكًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط