أسباب تغير الفتوى (2) د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية

0 1٬358

تكلمنا في الحلقة السابقة حول تعريف الفتوى لغة واصطلاحا، وأهمية الفتوى وخطورتها، وشروط المفتي وآدابه وصفاته، والفرق بين الفتوى والحكم، وفي هذه الحلقة نبدأ الحديث حول أسباب تغير الفتوى فنقول:

السبب الأول: تغير الأحوال:

معنى تغير الأحوال: هو اختلاف حال الناس واحتياجهم، من حالٍ إلى آخر، وقد نصَّ الإمام ابن القيم على أن يكون المفتي والحاكم على معرفة بأحوال الناس، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فقال: “فهذا – معرفة الناس- أصلٌ عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيها فيه فقيها في الأمر والنهي ثم يطبق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال، وتصور له الزنديق في صورة الصديق، والكاذب في صورة الصادق، ولبس كل مبطل ثوب زور تحتها الإثم والكذب والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميز هذا من هذا، بل ينبغي له أن يكون فقيهاً في معرفة مكر الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله” ( إعلام الموقعين عن رب العالمين 5/59).

السبب الثاني: تغير الأزمان:

معنى تغير الزمان: هو انقراض العصر السابق، أو جزءٍ منه، وتوالي الأجيال اللاحقة، ومما يلازم هذا التغير في الزمان، تغير احتياجات الناس، وأحوالهم، وأعرافهم، وبالتالي تتغير الفتوى بسببه. قال الزركشي في كتابه: (البحر المحيط في أصول الفقه): “إنَّ الأحكام تتغيّر بتغيّر الزّمان” (البحر المحيط في أصول الفقه 1/ 131)، وقال ابن تيمية: “إن الفتوى تتغير بتغير أهل الزمان، وهذا صحيح على مذاهب العلماء من السلف والخلف” (الفتاوى الفقهية الكبرى 2/ 271).

 والأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام المستندة على العرف والعادة؛ لأنه بتغير الأزمان تتغير احتياجات الناس، وبناء على هذا التغير يتبدل أيضا العرف والعادة وبتغير العرف والعادة تتغير الأحكام حسبما أوضحنا آنفا، بخلاف الأحكام المستندة على الأدلة الشرعية التي لم تبن على العرف والعادة فإنها لا تتغير. مثال ذلك: جزاء القاتل العمد القتل. فهذا الحكم الشرعي الذي لم يستند على العرف والعادة لا يتغير بتغير الأزمان، أما الذي يتغير بتغير الأزمان من الأحكام، فإنما هي المبنية على العرف والعادة.

السبب الثالث: تغير الأعراف:

معنى تغير الأعراف : هو اختلافها من بلد إلى آخر، فإن الفتوى التي بنيت على عادةٍ معينة، تتغير إذا تغيرت تلك العادة؛ لأن مدرك الحكم إنما كان عليها، وقد بيَّن صاحب كتاب أنوار البروق، وهو من المالكية: أن المفتي إذا جاءه رجل يستفتيه عن لفظةٍ من الألفاظ التي تختلف بها البلدان، فلا يفتيه بحكم بلده بل يسأله هل هو من أهل بلد المفتي فيفتيه حينئذ بحكم ذلك البلد (أنوار البروق في أنواع الفروق 1/ 154- 155)، وقال القرافي المالكي: “إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد (جمع عادة) مع تغير تلك العوائد، خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد، يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس هذا تجديداً للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد” ( الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص: 231-232)، وقال أيضاً: “فمهما تجدد في العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك… والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين، وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات، فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى النية” (أنوار البروق في أنواع الفروق 2/ 229.).

وقد علَّق ابن القيم على ما ذكرته المالكية في اعتبارهم للعرف المتجدد، فقال: “وهذا محض الفقه، ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر على أديان الناس وأبدانهم” (إعلام الموقعين عن رب العالمين 3/ 255).

السبب الرابع: تغير المصالح (مستفاد من موقع الملتقى الفقهي  أحد أفرع الشبكة الفقهية  على الشبكة العنكبوتية):

تعتبر المصالح العامة الفضاء الأوسع الذي يتعرض لجملة من التغيرات والمؤثرات، وهو في الوقت نفسه المجال الرحب الذي يتناوله المشتغلون بالفتوى والاستفتاء بالسؤال فيه والخوض في كثير من المسائل المتعلقة به ولا شك أن الشارع قد أولى اهتماما خاصا وعناية فائقة لأمور الأمة ومصلحة الجماعة لخطورة الأمر ودقته وحساسيته لأن عواقب الأمور المتعلقة بالجماعة وعموم الأمة أشد خطرا من تلك التي تخص أفرادا معينين أو ما كان مجال تأثيره أضيق. ولأن النصوص الشرعية الكثيرة قد دلت على مراعاة مصلحة الجماعة وما كان من قبيل المصالح العامة الضرورية منها وإلحاجيه والتحسينية.

المصلحة العامة هي ما فيه صلاح عموم الأمة أو الجمهور ولا التفات منه إلى أحوال الأفراد إلا من حيث إنهم أجزاء من مجموع الأمة.

ويمكن أن نميز درجتين متفاوتتين من المصالح العامة:

الأولى: ما تعلق منها بجميع الأمة أو عائدا عليها عودا متماثلا وهذه مثل حماية البيضة وحفظ الجماعة من التفرق وحفظ الدين من الزوال وحماية الحرمين من الوقوع في أيدي غير المسلمين وحفظ القرآن من التلاشي العام أو التغيير العام بانقضاء قرائه أو تلف مصاحفه معا وحفظ علم السنة من دخول الموضوعات …إلى غير ذلك مما فساده يتناول جميع الأمة وكل فرد منها، وهذه الدرجة تنتظمها غالبا الضروريات والحاجية.

الثانية: ما تعلق منها بالجماعة العظيمة من الأمة أو بقطر من الأقطار وتلك هي الضروريات والحاجيات والتحسينات المتعلقة بالأمصار والقبائل على حسب مبلغ حاجتها من التشريع (مقاصد الشريعة لابن عاشور ص 86).

فالمصلحة العامة هي النفع التام الشامل موضوعاً أي معنوياً ومادياً والذي يستغرق ويعم الجماعة الكثيرة العدد من حيث النطاق الشخصي أو الإنساني للنفع، ويدخل في هذا دفع الضرر والفساد اللاحق بهذه الجماعة.

مقابل المصالح العامة هناك المصالح الخاصة ونعني بها مصلحة الفرد فالمصلحة العامة تطلق مقابل المصلحة الفردية وكلاهما مراعى وإن كانت العامة أقوى وأولى بالتقديم والترجيح ولكنهما في الأصل يحكمها التكامل لأن صلاح الدنيا لا يقوم إلا بانتظام النوعين معا.

والمصلحة الخاصة ما فيه نفع الآحاد باعتبار صدور الأفعال من آحادهم ليحصل بإصلاحهم صلاح المجتمع المركب منهم، فالالتفات فيه ابتداء إلى الأفراد وأما العموم فحاصل تبعا.

   والعلاقة بينهما علاقة الكليات بالجزئيات حيث لا ينتظم أمر أحدهما دون الآخر ولهذا كان صلاح الفرد وسيلة إلى صلاح الجماعة والأمة، كما أن صلاح الأمة والجماعة ينطوي على صلاح الفرد فيها، ولهذا تكاد المصالح الكلية والجزئية متلازمة في الشريعة، حيث إنه في كل مسألة تشتمل الشريعة على مصلحة جزئية وعلى مصلحة كلية، فأما الجزئية فهي ما يعرب عنها دليل كل حكم وحكمته، وأما الكلية فهي أن يكون المكلف داخلا تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع تصرفاته (انظر الموافقات للشاطبي 4/386).

السبب الخامس: تغير الأماكن:

معنى تغير المكان: هو اختلافه، إما باختلاف بلد المسلمين، أو باختلاف الدار: دار الإسلام، ودار غير الإسلام، فكون الإنسان يعيش داخل مجتمع مسلم، فإن المجتمع المسلم مُطالبٌ بالالتزام بأحكام الشريعة، فمن طبيعة هذا المجتمع أن يعين المسلم على القيام أحكام الشريعة الإسلامية وتطبيقها، وهذا بخلاف دار غير المسلمين، ولذلك فإن الفتوى التي بنيت على مكانٍ معين، تتغير باختلاف المكان.

 أقف عند هذا الحدّ مخافة السآمة والملل من جانب القارئ الكريم، وأكمل في مقال قادم بمشيئة الله تعالى إن قدر الله لنا البقاء.

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط