السيد أحمد البدوي في ميزان الشرع بقلم: د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت عضو الجمعية الفقهية السعودية – جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

0 36
إنَّ الحديث عن السيد أحمد البدوي وضريحه بمدينة طنطا المصرية يحتاج إلى الجمع بين التحقيق التاريخي والميزان الشرعي، بعيدًا عن الغلو الذي يرفع الأشخاص فوق منزلتهم، أو الجفاء الذي يحمل على إنكار ما ثبت من فضل أهل الصلاح، أو الانتقاص من الناس بغير علم.
والمنهج الذي يسلكه أهل السنة والجماعة يقوم على أصلين عظيمين: إعطاء كل إنسان قدره الذي يستحقه، وردُّ الأقوال والأعمال إلى الكتاب والسنة، لا إلى الشهرة والموروث الشعبي أو الحكايات التي لا تثبت.
فليس كلُّ من اشتهر بين الناس بالولاية تثبت له كلُّ الكرامات المنسوبة إليه، وليس كلُّ ضريح ارتبطت به مظاهر دينية يكون ما يُمارَس عنده مشروعًا شرعًا؛ بل لا بد من التفريق بين تاريخ الشخص، وحقيقة ما ثبت عنه، والحكم الشرعي على الأفعال التي تُمارَس حول قبره.
أولًا: من هو السيد أحمد البدوي؟ وما حقيقة وجوده التاريخي؟
السيد أحمد البدوي، المعروف بأبي العباس أحمد بن علي البدوي، شخصية صوفية ارتبط اسمها بمدينة طنطا في دلتا مصر.
وتذكر المصادر المصرية الرسمية أنه وُلد بمدينة فاس بالمغرب سنة 596هـ، وقدم إلى مصر، واستقر بطنطا، وتوفي سنة 675هـ، الموافق 1276م.
وقد نشأ حول شخصيته تراث صوفي واسع، ونُسبت إليه مناقب وكرامات كثيرة، كما ارتبط اسمه بالطريقة الأحمدية البدوية، وأصبح المسجد المقام عند قبره من أشهر المعالم الدينية والتاريخية في مصر.
لكن التحقيق التاريخي يقتضي التفريق بين أمور ثلاثة:
وجود الشخصية تاريخيًّا: فهناك مصادر وتراث تاريخي يتناولان أحمد البدوي ونشأة مكانته في طنطا، ولا يصح الجزم بأنه شخصية خرافية لمجرد الاختلاف في تقييم سيرته.
تفاصيل سيرته ونسبه وكراماته: ليست جميع الأخبار المتداولة عنه على درجة واحدة من الثبوت؛ فكل رواية تحتاج إلى فحص مصدرها وتاريخ تدوينها وإسنادها، ولا تكفي شهرتها لإثبات صحتها.
الحكم الشرعي على الممارسات المرتبطة بضريحه: وهذا باب مستقل، لا يُحسم بإثبات صلاح الرجل أو نفيه، وإنما يُحكم فيه بالأدلة الشرعية.
وقد تناولت كتابات معاصرة هذه المسائل من اتجاهات مختلفة؛ فدار الإفتاء المصرية ووزارة الأوقاف المصرية تعرضان سيرته ومكانته عرضًا إيجابيًّا، في حين تتبنى بعض الكتابات نقدًا أشد للمادة التاريخية المنقولة عنه.
ومن الإنصاف العلمي ألا نعامل الأحكام المذهبية المختلفة بوصفها حقائق تاريخية متفقًا عليها.
والخلاصة التاريخية: لا ينبغي إثبات كل ما يُروى عن السيد البدوي بلا تمحيص، كما لا ينبغي نفي وجوده أو اتهامه في دينه بلا دليل معتبر.
ثانيًا: ما موقف أهل السنة والجماعة من الأولياء والصالحين؟
من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بأن لله أولياء من عباده، وأن الولاية ليست حكرًا على شخص أو طريقة أو مكان، وإنما أساسها الإيمان والتقوى والاستقامة على أمر الله.
قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يونس 62: 63.
فالولاية الحقيقية لا تُثبت بمجرد الألقاب، أو كثرة الأتباع، أو انتشار الأضرحة، أو تداول القصص الخارقة؛ وإنما يُنظر إلى الإيمان، والتقوى، وموافقة الكتاب، والسنة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: “مَن عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب…” رواه البخاري في صحيحه.
وهذا يدل على عظم حرمة أولياء الله، لكنه لا يعني عصمتهم من الخطأ، ولا أن كل ما يُنسب إليهم صحيح، ولا أن محبتهم تبيح مخالفة الشريعة.
وعليه، فإن الموقف المنضبط من السيد البدوي هو ألا نرفعه فوق منزلة البشر، وألا نجزم له بما لم يثبت، وألا نتعرض له بالسب أو الاتهام بغير برهان. بل نزن ما نُقل عنه وما يُفعل باسمه بميزان الشرع.
ثالثا: ما حكم الممارسات المرتبطة بالضريح وفق عقيدة أهل السنة؟
هذا هو الجانب الأهم في القضية؛ لأن الحكم الشرعي لا يتعلق بشهرة صاحب القبر، وإنما بما يُصرف له أو يُفعل عنده.
دعاء الله وحده: الأصل الأعظم في الإسلام أن الدعاء عبادة لا يجوز صرفها لغير الله، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ الجن 18: ، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ يونس: 106.
وبناءً على ذلك، فإن دعاء السيد البدوي نفسه، كأن يقول المرء: “يا سيدي البدوي، اشف مريضي، أو ارزقني الولد، أو فرّج كربتي”، فيما يُطلب فيه من الميت ما لا يقدر عليه إلا الله، ليس من العبادة المشروعة، بل هو مناقض للتوحيد.
أما سؤال الله مباشرة، وطلب الشفاء والرزق والفرج منه سبحانه، فهو أصل العبادة وغايتها.
الاستغاثة بالأموات وطلب المدد منهم: يجب التفريق بين طلب المساعدة من إنسان حي فيما يقدر عليه عادة، وبين دعاء ميت أو طلب تصرف غيبي منه، فطلب العون من إنسان حي حاضر، كأن يساعد محتاجًا أو يدعو له، أمر معروف في الشرع.
أما دعاء الميت وطلب كشف الكربات الغيبية منه، أو اعتقاد أنه يتصرف في الكون استقلالًا، فليس من التوحيد.
وقد شدد علماء أهل السنة، في النهي عن دعاء أصحاب القبور والاستغاثة بهم والذبح لهم، وبيّنوا أن الزيارة المشروعة هي التي تحقق مقاصد الشرع، لا التي تصرف العبادة إلى المقبور.
وينبغي مع بيان الحكم أن يُراعى التفريق بين الحكم على الفعل والحكم على فاعله بعينه؛ فالحكم على الأشخاص يحتاج إلى معرفة حقيقة ما اعتقدوه وقصدوه، وتحقق الشروط وانتفاء الموانع، وليس بابًا يُفتح للتسرع في تكفير الناس أو الطعن في نياتهم.
الطواف بالقبر والذبح والنذر لصاحبه: الطواف عبادة لها موضعها المشروع، وهو الكعبة المشرفة، ولا يجوز اتخاذ القبور مواضع للطواف التعبدي.
وكذلك الذبح والنذر إذا صُرفا للمقبور على وجه التعبد له، فهما من الشرك؛ لأن الذبح والنذر من العبادات التي يجب إخلاصها لله تعالى.
قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ الأنعام162: 163.
أما الذبح لله في أصله، فله أحكامه المعروفة، ولا يصح الحكم على كل ذبيحة تقع في محيط مسجد أو مناسبة اجتماعية بأنها ذبيحة لغير الله دون التحقق من مقصد صاحبها.
التمسح بالضريح وطلب البركة منه: منهج أهل السنة يقوم على التوقيف في العبادات؛ فلا يُشرع فعل تعبدي لمجرد أن الناس اعتادوه أو توارثوه.
ولهذا لا يصح جعل التمسح بجدران الضريح أو تقبيلها أو التعلق بستائره وسيلة مضمونة للشفاء أو قضاء الحاجات، ولا نسبة أثر غيبي إليها بغير دليل شرعي.
ويُفرَّق هنا بين من يفعل شيئًا بدافع العادة أو الجهل، وبين من يعتقد اعتقادًا يناقض أصل التوحيد؛ فالأفعال والاعتقادات ليست سواء، والحكم على كل حالة يحتاج إلى العلم والتثبت.
زيارة القبور في الإسلام: لا شك أن الشرع لا يحرم زيارة القبور بإطلاق، وإنما يفرّق بين الزيارة المشروعة والممارسات المخالفة.
فالزيارة المشروعة تُذكّر بالموت والآخرة، ويُسلّم فيها على أهل القبور ويُدعى لهم بالمغفرة والرحمة. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علّم أصحابه السلام على أهل المقابر والدعاء لهم.
أما دعاء المقبور، أو الاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو اتخاذ القبر موضعًا لعبادة مخصوصة لم يثبتها الشرع، فهذه أمور أخرى لها أحكامها.
وعليه، فليس كل من زار ضريح السيد البدوي قد وقع في الشرك، وليس كل من انتقد ممارسة عند الضريح عدوًّا للصالحين؛ بل العبرة بحقيقة العمل ومقصده ودليله.
رابعا: هل الكرامات المنسوبة إلى السيد البدوي دليل على ولايته؟
تتناقل بعض كتب المناقب والحكايات الشعبية قصصًا كثيرة عن كرامات السيد البدوي، لكن المنهج العلمي والشرعي لا يقبل كل حكاية لمجرد تداولها.
فكرامات الأولياء ممكنة في عقيدة أهل السنة، ولكنها لا تثبت بمجرد الادعاء، ولا تكون دليلًا على صحة كل قول أو فعل يُنسب إلى صاحبها.
وحتى لو ثبتت كرامة لولي من أولياء الله، فإنها لا تمنحه صفة الألوهية، ولا تجيز دعاءه من دون الله، ولا تجعل أقواله فوق الكتاب والسنة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ النساء: 82.
والميزان في قبول الأخبار التاريخية هو النظر في مصادرها وأسانيدها وقرائنها، والميزان في قبول الأعمال التعبدية هو الدليل الشرعي، فلا ينبغي أن نخلط بين الأمرين، ولا أن نجعل الروايات المتأخرة وحدها أساسًا للحكم على عقيدة رجل عاش قبل قرون.
خامسا: كيف نتعامل مع محبي السيد البدوي وزوار ضريحه؟
إن تصحيح العقائد لا يكون بالتشهير بالناس، ولا بالسخرية من معتقداتهم، ولا باتهامهم جميعًا بالشرك والضلال؛ بل يكون بالعلم والحكمة والرفق، مع وضوح البيان وعدم التنازل عن أصول التوحيد، قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ النحل: 125.
ومن أراد نصح الناس في هذه المسألة، فليبيّن لهم أن محبة الصالحين لا تعني دعاءهم، وأن احترام الموتى لا يعني الغلو فيهم، وأن تعظيم الله وتوحيده هو أعظم ما يتقرب به العبد إليه.
كما ينبغي تجنب المبالغة في الطرف الآخر؛ فلا يصح اتهام كل من ينتسب إلى التصوف بالشرك، أو إنكار كل ما له صلة بالتزكية والأخلاق، بل يُنظر في كل قول وعمل على حدة، ويُقبل ما وافق الكتاب والسنة، ويُرد ما خالفهما.
فالحقيقة التي ينبغي أن تبقى واضحة: إن قضية السيد البدوي وضريحه ليست مجرد خلاف حول شخصية تاريخية أو مبنى أثري؛ بل هي فرصة لتقرير أصول مهمة في العقيدة والمنهج.
فالسيد أحمد البدوي شخصية ارتبطت بها ذاكرة دينية وتاريخية واسعة في مصر، وتوفي بطنطا في القرن السابع الهجري وفق الروايات التاريخية المتداولة.
أما تفاصيل سيرته وكراماته، فتحتاج إلى التمحيص والتمييز بين الثابت والمروي.
والقاعدة الجامعة في منهج أهل السنة والجماعة هي أن الصالح يُحبّ ويُحترم من غير غلو، وأن القبور تُزار وفق السنة من غير اتخاذها مواضع للعبادة، وأن الدعاء والذبح والنذر وسائر العبادات يجب إخلاصها لله وحده.
فلا غلوّ يرفع المخلوق فوق منزلته، ولا جفاء يبيح الظلم والاتهام بغير علم؛ وإنما علمٌ يحقق الروايات، وتوحيدٌ يصون العبادة، وعدلٌ يحفظ للناس حقوقهم، واتباعٌ يجعل الكتاب والسنة الميزان في الأقوال والأعمال.
نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، والإخلاص في القول والعمل، وأن يهدينا إلى الحق فيما اختلف فيه من الأمور.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط