دكتور جمال عبد الناصر يكتب …… طَائِّرة فْوقَ الْغَمَامَ

0 39

 

كان الاستعداد للرحلة قبل أن يحين موعد السفر  بالطائرة في يومٍ واحد بَاقْ، وقد تبقي إتمام كافة الأمور  للسفر دون أي عوائق، ولا أي عائق، ولكن المُسافر  كان يشعُر  في صدرهُ ببعض الضيق، لأنه لا يزال كالغريب الغريق؛ ومع كثرة التفكير، والضغط، والإرهاق أخذتهُ سِّنَةُ من النوم فرأي فيما يرى النائم بأن الطائرة طارت بمن فيها، وصارت في الجو، وأثناء الرحلة  بالطريق، والطائرة تشق الغمام، ومن ثم ترتفع فوق الغيوم، شاهد حينها من شباك الطائرة الصغير  بأن الطائرة صارت تطير  فوق المضيق، وكأن أسفل منها بَحرٌ  لُجيٍ أزرقٌ عميق، ويكأنه يرى كذلك خيط دقيق أثناء الطيران فوق طريق المضيق؛ وفكر  باشتعال فتيل الحرب، وإطلاق الصواريخ، وعبورها فوق المضيق، وتهيأ له وهو  لايزال نائم بارتفاعها في الأفاق ثم أفاق، فعلم أنه كان يحلم وحَينئذٍ أخذهُ على عجل المزيد من الوجل، والخوف على الأجل؛ وانتابهُ مع بزوغ  وقت الفلق القلق؛ بعدما كان  مُتألق، ومُتعلق بالسفر  صار  عندهُ تملق؛ كمن أصيب  بشد عضلي أدى به إلى التمزق!؛ وبرغم هذا الآرق، والقلق أكمل وأتم الجهوزية للسفر، معتمدًا على رب الفلق؛ وتجهز للانطلاق إلى المطار  رغم كل ما لديه من القلق؛ خاصة مع هطول زخاتٍ من الغيث المنهمر ، وسماعه صوت الرعد والبرق؛ ولكن التفكير  في تواصل غُربته، وفراق أهله وأحبابه، واستمرار  المزيد من السفر، والاغتراب والابتعاد عن الأوطان؛ ومعرفتهِ بأنهُ لن يجد عند وصوله أي  تلاقٍ يجمع بينهُ من جديد مع الأهل، والأخوة، والرفاق، والأصدقاء بعد طول سنوات الفراق،  وكثيرًا ما تشتعل في ذاكرتهِ أيقونة الذكريات لطفولته في مخيم الشاطئ بِغزة، وذكريات شاطئ البحر، والباخرة الغارقة قديمًا قبالة الدار، والسير  في الشارعِ بين أزقة المخيم، وقت صلاة الفجر  بين ذلك الزقاق الضيق؛ وتذكر  الأباريق في المسجد، وكأنها كان لها بريق، وهي له صديق، وتذكر  انتفاضة الحجارة الأولى ومقارعة الأعداء المحتلين المجرمين؛ ورميهم بالحجارة، والتصدي لهم في منتصف الطريق، واشعال إطارات السيارات ليصير الحريق، وتذكر من صدق، فسبق، وارتقَ من الأصحاب الشهداء؛ وزاد عنده حق اليقين بقرب زوال كيان المحتلين الغاصبين عن الحبيبة فلسطين سيدتي صاحبة الجمال، والأُلق، والتألق،  والقلب يهواها، وفيها مُتعلق.. على الرغم  من عدوان الإبادة الوحشية من الأعداء الأذلاء، وتواصل سنوات الغربة، وتدمير البيت؛ ولكن بقي عبق الذكريات، والتواصل الباسق السمق العاشق ما بين الأصحاب، والأحباب، والأهل، والتوافق، والوفاق، والوفاء، مع الأخوة، والرفاق؛ على الرغم أننا نعيش في حياة  صعبة كثر  فيه الشقاق، والنفاق، والفراق؛؛ وتغير البعض عن المسار وتبدل المساق!؛ ولكنها تبقى دنيا زائلة فانية لن يبقى فيها عِّرقٍ باقْ، ولا يدوم فيها بقاء، و لا عناء، ولا عناق، ولا عُنق فكلنا يومًا ما ستهبط بنا الطائرة وتنهي الرحلة  في الختام، وسننزل منها  إلى القبر  الضيق ثم يُغلق، وعلينا ينطبق وبعد  كل ما  سبق نرجع  للحديث الذي في البداية سبق، ولنكون مع الصادقين من الأولين ممن سبق، ومع  من صدق..         ولا  تزال الأوضاع تسير  مُسرعةٍ  على قدمٍ وساق للسفر  نحو  المساق، وذلك مستمر  في كل يُسرٍ ، واتساق في أوقاتٍ مختلفة، و متنوعة ما بين طرفي النهار ، وزلفًا من الليل حتى يحين موعد الرحيل، والفِراق، وذلك حينما تلتف الساق بالساق إلى ربك يومئذٍ المساق،  فكلٌ منا لا يزال في الانتظار حتى يحين، ويقترب موعد اقلاع الطائرة المسافرة، والمتجهة من بلاد الغربة إلى بلاد الغربة؛ ثم تطير، وترتفع عن الأرض بعيدً، وربما تختفي في جو السماء، وتصير  بمن فيها مسافرين بعيدًا عن أرض الوطن حتى تصل لوقت الهبوط، والنزول، والوصول لمحطتها الأخيرة  بعد كل هذا الارتفاع الشاهق والسفر المرهق لابد من الوصول والنزول وتنهي الرحلة فهنيئًا، وطوبى لكل من سبق، وصدق، ولكل من تأخر، ولكنه لحِق؛ والويل، والهلاك لكل ظالم، وخائن للأمانة، وللوطن، والمواطن ممن كذب، وظلم، وأشرك، وسرق، ففي يوم القيامة سوف يُغطيهِ العرق حتى الغرق، ثم  في النار  يكون الحرق!.
الباحث، والكاتب والمحلل  السياسي
الأستاذ  الدكتور/ محمد  عبد الله أبو  نحل
عضو نقابة اتحاد كُتاب وأدباء  مصر، رئيس المركز  القومي لعلماء  فلسـطين
رئيس الإتحاد العام للمثقفين، والأدباء بفلسطين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط