تزوير مع سبق الإصرار.. كيف مُحي اسم محمد نجيب من ذاكرة “مديرية التحرير”؟! بقلم: الناقد والمحلل السياسي الكاتب الصحفي محمد بهلول

0 5
لا تزال أوراق التاريخ الوطني تحتفظ بحقائق نصاعةٍ تُحاول بعض القراءات السطحية طمسها أو توجيهها لصالح سرديات معينة، غير أن الوثائق الرسمية والتشريعات الصادرة في خضم التحولات الكبرى تبقى الحاكم العدل. وفي ملف استصلاح الأراضي وبناء المشروع الزراعي القومي في مصر بعد 1952، تقف “مديرية التحرير” كشاهد تاريخي حي على لحظة انطلاق استثنائية، شهدت غرس اللبنة الأولى، ثم إعادة صياغة الذاكرة الوطنية لنسبة الفضل والتتويج.
بداية القصة لم تكن مجرد خطط إدارية على ورق، بل كانت رؤية واضحة للنهوض بالظهير الصحراوي لغرب الدلتا. وفي مارس 1953، تشكّلت اللجنة التأسيسية ومجلس إدارة المشروع لبدء العمل الميداني الفعلي.
وتُوّج هذا السعي بالغطاء التشريعي والتنفيذي الحاسم حين صدر وتوقّع رسمياً القانون رقم 148 لسنة 1954 بإنشاء وتنظيم مديرية التحرير، والذي يحمل في ديباجته وختام الجريدة الرسمية توقيع واعتماد رئيس الجمهورية اللواء محمد نجيب.
لم تكن مديرية التحرير مجرد مشروع زراعي عادي يستهدف استصلاح آلاف الأفدنة في صحراء غرب الدلتا، بل كانت تجربة نموذجية متكاملة لإعادة تشكيل المجتمع الريفي المصري؛ حيث صُممت القرى الأولى مثل (أم صابر، وعمر مكرم، والنجاح) وفق تخطيط عمراني وهندسي غير مسبوق، اشتمل على بناء المدارس، والمراكز الصحية، والمساجد، والمصانع الزراعية الملحقة، إلى جانب اختيار أسر الفلاحين والشباب الرواد وفق معايير بدنية وثقافية محددة لبناء مجتمع زراعي وصناعي متطور.
وقد مثّلت هذه التجربة طفرة في الميكنة الزراعية ونظم الري الحديثة في خمسينيات القرن الماضي، حيث تحولت الصحراء الجافة إلى قطاعات إنتاجية شاسعة أُضيفت إلى الرقعة الزراعية المصرية، وأصبحت نموذجاً أُوليًا اعتمدت عليه الدولة لاحقاً في التوسع العمراني والزراعي بالظهير الصحراوي للمحافظات.
لكن التاريخ الذي كُتب بالقرارات والوثائق، تعرض لاحقاً لعملية إعادة تحرير واجتزاء للذاكرة الرسمية؛ فمع التحولات السياسية وإعفاء اللواء محمد نجيب من مناصبه في نوفمبر 1954، جرى تسليط الضوء الإعلامي والتاريخي المكثف على الرئيس جمال عبد الناصر، ليصبح الحاضر الدائم في كل زيارة ميدانية، وافتتاح لقرية نموذجية، وتكريم للرواد والمزارعين في قطاعات المديرية، وقافزاً على منصات تتويج مشروع لم يوقع شهادة ميلاده التشريعية.
إن قراءة تاريخ “مديرية التحرير” بعين التوثيق المحايد لا تهدف إلى نفي الأدوار التنموية التي استكملتها الدولة لاحقاً، بل تصحيح المسار التاريخي؛ فالإرادة الحكومية التي وقّعت قانون التأسيس (148 لسنة 1954) ودشنت ضربة الفأس الأولى أرست حجر الأساس لمشروع استصلاح هائل، وظل صاحب ذلك التوقيع مغيباً عن أدبيات التتويج والمناسبات الرسمية التي صُممت لاحقاً لتخليد اسم واحد فقط.
إن إعادة قراءة هذه المحطات بوعي تحليلي منصف تجعلنا وفرزاً حقيقياً بين الواقع السياسي المتغير، وبين الوثيقة التشريعية الصلبة التي لا تُزيف ولا تُمحى بمرور العقود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط