الرحمة والتواضع والكلمة الطيبة… إرثٌ لا تمحوه الأيام بقلم: د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية

0 89
في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة، ويزداد فيه التنافس على المكاسب والمظاهر، يغفل الكثيرون عن حقيقةٍ بالغة الأهمية؛ وهي أن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس ما جمعه من مال، ولا ما تقلده من مناصب، وإنما ما غرسه في قلوب الناس من رحمة، وما بثَّه بينهم من تواضع، وما نطق به من كلماتٍ طيبة بقي أثرها حيًّا في النفوس.
فالرحمة ليست ضعفًا كما يظن بعض الناس، بل هي قوةٌ أخلاقية تُصلح العلاقات، وتخفف الآلام، وتزرع الأمل في القلوب المنكسرة، وقد جعلها الإسلام سمةً للمؤمنين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ”، وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى رحمةٍ تُداوي قبل أن تُعاتب، وتحتوي قبل أن تُقصي.
ولا تقلُّ قيمةُ التواضع عن الرحمة، فهو الخُلُق الذي ترتفع به مكانة الإنسان في قلوب الناس قبل أن يرتفع في المناصب، فالمتواضع لا يرى لنفسه فضلًا على أحد، ولا يتعامل مع الآخرين باستعلاء، بل يدرك أن الكرامة الحقيقية تُكتسب بحسن الخلق لا بعلو المنصب؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله”؛ لأن الرفعة التي يمنحها الله لعباده المتواضعين لا تدانيها رفعةٌ يصنعها الناس.
أما الكلمة الطيبة، فهي أبسط وسائل الخير وأعظمها أثرًا، قد لا تحتاج إلى مالٍ ولا جهد، لكنها قد تُحيي في قلب إنسانٍ أملاً، أو تُصلح خاطرًا منكسرًا، أو تمنح يائسًا سببًا للاستمرار، ولهذا شبَّهها القرآن الكريم بالشجرة المباركة التي تمتد جذورها في الأرض، بينما تعلو فروعها في السماء، في إشارةٍ إلى أن أثرها يبقى وينمو مع الأيام، قال تعالى: ” أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ” إبراهيم: 24.
ولعل من أبلغ ما يلفت النظر أن الناس لا يتذكرون بعد سنواتٍ طويلة تفاصيل الثروة التي امتلكها أحد، ولا حجم النفوذ الذي كان بيده، لكنهم لا ينسون إنسانًا كان رحيمًا بهم، أو متواضعًا معهم، أو صاحب كلمةٍ طيبةٍ تركت أثرًا جميلًا في نفوسهم.
فالأخلاق الصادقة هي اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة، وهي الذكر الحسن الذي يبقى حين يرحل كل شيء.
إن مجتمعاتنا أحوج ما تكون اليوم إلى نشر ثقافة الرحمة، وترسيخ قيمة التواضع، وإحياء أثر الكلمة الحسنة؛ فبها تُبنى الثقة، وتتآلف القلوب، ويقوى النسيج الاجتماعي، وتُصنع بيئةٌ يسودها الاحترام والتراحم، بعيدًا عن القسوة والتعالي وسوء الخطاب.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحدٍ منا على نفسه: ماذا سأترك في قلوب الناس إذا غبت؟ فإن كان الجواب: رحمةً، وتواضعًا، وكلمةً طيبة، فقد ربحت الإرث الذي لا تبليه الأيام، ولا تمحوه السنون، بل يظل حيًّا في الدعوات الصادقة، والذكريات الجميلة، والسيرة الحسنة التي هي أعظم ما يخلده الإنسان بعد رحيله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط