قتل النفس بغير حق … جريمة لا تسقط من ميزان السماء بقلم: د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية

0 73
تُعدُّ جريمة قتل النفس بغير حق من أعظم الجرائم التي جاءت الشريعة الإسلامية بتحريمها وتشديد الوعيد عليها؛ لأنها اعتداءٌ مباشر على أعظم المقاصد التي جاءت الشرائع السماوية بحفظها، وهو حفظ النفس الإنسانية.
وليست جريمة قتل النفس بغير حق حادثةً عابرة تُطوى صفحاتها بانتهاء التحقيقات، ولا رقمًا يُضاف إلى إحصاءات الجرائم، بل هي زلزالٌ يهزُّ ضمير المجتمع، ويكشف حجم الخلل حين تُستباح الأرواح التي كرَّمها الله، وجعل صيانتها من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية، فحين تُراق قطرة دم بغير حق، فإن الأمن يتصدع، والطمأنينة تتراجع، ويغدو المجتمع كله شريكًا في دفع ثمن تلك الجريمة.
فالحياة هبةٌ من الله تعالى، لا يملك أحدٌ حق سلبها إلا بحقٍ أذن به الشرع، ولذلك كانت حرمة الدماء من أعظم الحرمات وأجلِّها.
وقد جاءت الشريعة الإسلامية لتجعل النفس الإنسانية في أعلى مراتب الحماية، فلا يجوز الاعتداء عليها بحال إلا بما أذن الله به، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الأنعام: 151، وهذه الآية الكريمة تُرسِّخ مبدأً عظيمًا، وقاعدة عظيمة ترسم حدودًا لا يجوز تجاوزها، وتقرر أن الأصل في الدماء الحرمة والعصمة، وأن الاعتداء عليها من أعظم الكبائر وأشنع الجرائم، فلا يجوز إزهاقها إلا فيما شرعه الله تعالى.
ولم يكتفِ القرآن الكريم ببيان التحريم، بل صوَّر هول الجريمة بأبلغ تصوير حين شبَّه قتل النفس الواحدة بقتل البشرية جمعاء فقال سبحانه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ المائدة: 32، إنها رسالة ربانية تؤكد أن النفس الواحدة ليست رقمًا في سجل الحياة، وإنما عالمٌ كامل من الأحلام والآمال والعلاقات، وأن الاعتداء عليها هو اعتداء على قيمة الحياة ذاتها، فما أعظم هذا التشبيه البليغ الذي يدل على فداحة الجريمة، وعِظَم أثرها في المجتمع، وأن الاعتداء على فردٍ واحد هو اعتداء على أمن الأمة كلها.
وفي السنة النبوية جاءت النصوص مؤكدةً هذه الحرمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “اجتنبوا السبع الموبقات”، وذكر منها: ” قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق”، وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: ” لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم”، وهو حديث يبين أن سفك الدم الحرام أعظم عند الله من زوال الدنيا بأسرها، وهذا تصوير بالغ الدلالة على عظم حرمة الدماء عند الله، وأن الدنيا بكل ما فيها لا تعادل عنده إراقة دمٍ معصوم.
ولم يقف الوعيد عند حدود الدنيا، بل امتد إلى الآخرة، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ النساء: 93، إنها آية تقشعر منها الجلود، وتؤكد أن سفك الدماء ليس مجرد مخالفة قانونية، بل جريمة تستوجب غضب الله ولعنته والعذاب الأليم إن لم يتدارك القاتل نفسه بتوبة صادقة ويقف بين يدي العدل في الدنيا.
ولا شك أن هذا من أشد الوعيد الوارد في القرآن الكريم، مما يدل على عِظَم هذه الجريمة وخطورة الإقدام عليها.
والواقع المؤلم أن كثيرًا من جرائم القتل لم تكن ثمرة تخطيط طويل، وإنما بدأت بكلمة غاضبة، أو خلافٍ عابر، أو لحظة تهور، أو استخدام متهور للسلاح، أو انسياقٍ وراء رفقة السوء، ثم انتهت بفاجعة لا يمكن إصلاحها، فيندم الجاني حين لا ينفع الندم، ويقضي بقية عمره بين أروقة المحاكم أو خلف القضبان، بينما يبقى حق المقتول متعلقًا في عنقه إلى يوم القيامة.
فدقائق معدودة قد تجر صاحبها إلى سنوات من السجن، وإلى ندمٍ يلازمه ما بقي من عمره، وإلى موقف عسير بين يدي الله تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون.
ولا شك أيها القارئ الكريم أن جرائم القتل لا تتوقف آثارها عند القاتل والمقتول، بل تمتد إلى أسرٍ فقدت أبناءها، وأطفالٍ حُرموا من آبائهم، وأمهاتٍ ذبلت أعمارهن من الحزن، ومجتمعٍ تزعزعت فيه الثقة والأمان، فكل جريمة قتل تخلِّف جراحًا لا تندمل بسهولة، وتفتح أبوابًا من الثأر والعداوة والكراهية، وكل قطرة دم تُسفك ظلمًا تفتح بابًا من الفتن، وتزرع بذور الحقد والانتقام، وتُهدد الأمن والاستقرار، وهو ما جاءت الشريعة بإغلاقه حمايةً للأفراد واستقرارًا للأوطان.
ومن رحمة الله تعالى بعباده أنه شرع القصاص، لا انتقامًا، وإنما حمايةً للدماء وردعًا للمجرمين وتحقيقًا للعدل، فقال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: 179، فالقصاص يحفظ الأرواح قبل أن تُزهق، ويصون المجتمع من الفوضى، ويغرس في النفوس هيبة الدماء وحرمتها، ويمنع المعتدي من التفكير في الجريمة، ويحقق الأمن للمجتمع.
وفي زمنٍ تتسارع فيه وسائل التواصل، وتتضاعف فيه أسباب الاحتقان والانفعال، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى نشر ثقافة الحِلم، وضبط النفس، وتعظيم حرمة الدماء، والاحتكام إلى القضاء والأنظمة، وعدم الانسياق وراء نزوات الغضب التي قد تحوِّل إنسانًا سويًّا إلى مجرم، وأسرةً مستقرة إلى مأتم دائم.
فالدماء ليست أرقامًا في سجلات الحوادث، ولا أخبارًا عابرة في وسائل الإعلام، بل هي أرواح كرَّمها الله، وجعل الاعتداء عليها من أكبر الكبائر، فليتقِ الله كل من تسوِّل له نفسه الاعتداء على غيره، وليتذكر أن كلمةً طائشة، أو غضبةً عمياء، أو سلاحًا يُرفع بغير حق، قد تجرُّ صاحبها إلى ندمٍ لا ينقضي، وحسابٍ بين يدي الله لا مهرب منه.
فما أحوج مجتمعاتنا إلى أن تجعل حرمة الدماء خطًا أحمر لا يُتجاوز، امتثالًا لأمر الله، واتباعًا لهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وصيانةً لأمن الأوطان واستقرارها.
فكلمي الأخيرة التي ينبغي أن تبقى حاضرة في وجدان الجميع هي أن الدم إذا سُفك ظلمًا فلن تعيده الدموع، ولن تمحوه الأعذار، ولن يخفف ثقله الندم، فالأرواح ليست ملكًا للبشر، وإنما هي أمانةٌ عند خالقها، ومن اعتدى عليها فقد بارز أمر الله، واستحق العقوبة في الدنيا، والوعيد الشديد في الآخرة، وستظل حرمة الدماء هي السياج الذي يحفظ للأوطان أمنها، وللمجتمعات استقرارها، وللإنسان كرامته التي كرَّمه الله بها منذ أن خلقه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط