صورُ البلاءِ وأسبابُ دفعِه… قراءةٌ في ضوء القرآن والسنة د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية

0 1

لا يخفى على كل ذي لُب أن البلاء سنّة إلهية ماضية في حياة الأفراد والأمم، به يتميّز الصادق من المدّعي، ويُمحَّص المؤمن من الغافل، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2).

 فالابتلاء ليس علامة سخطٍ بالضرورة، بل قد يكون رفعةً وتمحيصًا، كما قال صلى الله عليه وسلم: “أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ” (رواه الترمذي وصححه الألباني)

وفي هذا المقال نسلّط الضوء على صور البلاء كما وردت في الكتاب والسنة، ثم نستعرض أسباب دفعه ورفعه بالأدلة الصحيحة.

أولًا: صور البلاء في حياة الإنسان: 

1️⃣ البلاء بالخوف ونقص الأموال والأنفس: قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ (البقرة: 155) ، وهذه صورة عامة تشمل الحروب، والأزمات الاقتصادية، وفقد الأحبة، وضيق العيش.

2️ البلاء بالمرض والأسقام: قال صلى الله عليه وسلم:  “ما يُصيبُ المسلمَ من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذًى ولا غمٍّ حتى الشوكةُ يُشاكُها إلا كفّر الله بها من خطاياه” (متفق عليه) ، فالمرض ابتلاء، لكنه كذلك تكفير ورفعة درجات.

3️ البلاء بالخير والرخاء: ليس البلاء شرًا دائمًا، فقد يكون بالنعمة نفسها، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الأنبياء: 35) ، فالمال، والمنصب، والصحة قد تكون اختبارًا لشكر العبد أو طغيانه.

4️ البلاء بسبب الذنوب: قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (الشورى: 30) ، فالذنوب قد تكون سببًا مباشرًا لنزول العقوبات أو المصائب.

ثانيًا: أسباب دفع البلاء ورفعه:

كما جعل الله للبلاء حِكمًا جعل له أسبابًا تُدفع بها آثاره وتُرفع شدته، منها على سبيل الذكر لا الحصر:

1️ التوبة والاستغفار: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال: 33) ، فالاستغفار أمان من العذاب، وسبب لنزول الرحمات.

2️ الدعاء واللجوء إلى الله:  قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: 60) ، وقال صلى الله عليه وسلم:  “لا يردُّ القضاءَ إلا الدعاءُ” (رواه الترمذي وحسنه الألباني) ، فالدعاء يغيّر مجرى البلاء بإذن الله.

3️ الصدقة والإحسان: قال صلى الله عليه وسلم:  ” صنائعُ المعروفِ تقي مصارعَ السوءِ” (حسنه الألباني) ، فالصدقة من أعظم أسباب الحفظ ودفع الشرور.

4️ التقوى والطاعة: قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (الطلاق: 2) ، والتقوى سبب في تفريج الكروب، وتيسير الأمور.

5️ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال صلى الله عليه وسلم: “لتأمرُنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يعمكم بعقابٍ منه” (رواه الترمذي وحسنه) ، فصلاح المجتمع حماية من البلاء العام.

6️ التوكل على الله: قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 3) ، فالتوكل يجلب الكفاية ويدفع المخاوف.

وفي الختام: اعلم أيها القارئ الكريم: أن البلاء مدرسة إيمانية، وصوره متعددة (خوف، مرض، فقر، فقد، بل وحتى نعمة واختبار)، لكنه في الوقت نفسه ليس طريقًا مسدودًا؛ فقد فتح الله أبواب النجاة: (توبة صادقة، دعاء خاشع، صدقة خفية، تقوى دائمة، وإصلاح للمجتمع)، ويبقى وعد الله قائمًا: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 6)، فمن عرف حكمة البلاء، وأخذ بأسباب دفعه، عاش مطمئن القلب، ثابت الجنان، يعلم أن وراء كل محنةٍ منحة، وأن بعد كل شدةٍ فرجًا قريبًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط