العدو الأول للبشرية بقلم:د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية
منذ أن خلق الله البشرية والإنسان يخوض صراعًا مستمرًا بين الخير والشر، بين البناء والهدم، بين الطمأنينة والقلق، وفي قلب هذا الصراع يبرز اسم ارتبط بالعداوة الدائمة للإنسان ألا إنه الشيطان ليس بوصفه كائنًا غيبيًا فحسب، بل رمزًا لكل دعوة إلى الانحراف، وكل همسة تدفع نحو الفساد والضياع.
فمنذ خلق الله الإنسان أعلن هذا العدوٌّ عداوته الصريحة له، وتوعّد بإغوائه وإبعاده عن طريق الحق، وبداية ذلك عندما أمره الله عز وجل بالسجود لآدم فاستكبر ورفض قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ )البقرة: 34، ثم أعلن عداوته لبني آدم قائلًا: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ )الأعراف: 16، وهنا تتأكد حقيقة أن عداوته ليست طارئة، بل ممتدة عبر الزمن.
هذا هو العدو، الذي حذّر الله منه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وأكّد النبي صلى الله عليه وسلم خطره في أحاديثٍ كثيرة صحيحة.
ولا شك أن الأدلة من القرآن والسنة تؤكد أن الشيطان هو العدو الأول للإنسان، ففي القرآن الكريم يرد التحذير صريحًا من إبليس الذي تمرّد على أمر الله ورفض السجود لآدم، فكانت نتيجة تكبّره أن أصبح مطرودًا من رحمة الله، متوعّدًا بإغواء بني آدم إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير﴾ فاطر: 6.
ولم تكن عداوة الشيطان مواجهة مباشرة، بل اتخذت شكل الوسوسة والتزيين والخداع. فهو – بحسب نصوص الكتاب والسنة – لا يُجبر الإنسان، بل يزيّن له الباطل ويُلبسه ثوب الحق. يزرع الشك، ويُضعف العزيمة، ويستغل نقاط الضعف البشرية، كالغضب، والطمع، والحسد، والشهوة، قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ النساء: 120، فهو لا يُجبر الإنسان، وإنما يزيّن له الباطل ويغريه بالأماني الكاذبة، قال تعالى :{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}الأعراف : 20، وقال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ الحجر:39.
وفي السنة النبوية، بين النبي صلى الله عليه وسلم قُرب الشيطان من الإنسان ففي الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم: ” لاَ تلجوا على المغيباتِ، فإنَّ الشَّيطانَ يجري من أحدِكم مجرى الدَّمِ، قلنا ومنْكَ؟ قالَ: ومنِّي، ولَكنَّ اللَّهَ أعانني عليْهِ، فأسلمُ” أخرجه أحمد (14324) بلفظه، والترمذي (1172)، والدارمي (2824) كلاهما باختلاف يسير.
ومعنى “لا تَلِجُوا”، أي: لا تدخلوا على “المغيبات”، أي: المرأة الأجنبية التي يكون زوجها غائبا غير موجود، ثم عقب ببيان سبب من أسباب ذلك فقال: ” فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم “، أي: إن وساوس الشيطان تصل إلى عقله وقلبه وعروقه، كما أن الدم يسير في جميع البدن، “قلنا: ومنك؟ “، أي: الشيطان معك هكذا أيضا، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم “قال: ومني، ولكن الله أعانني عليه فأسلم”، أي: هو معي كما هو معكم، لكن دخل في الإسلام فلا يأمرني بشر، وقيل ولعل هذا هو الصواب: الشيطان لا يدخل الإسلام، والمعنى: أسلم منه ومن وسوسته.
وفي عصرنا الحديث، تتخذ هذه الوساوس أشكالًا أكثر تعقيدًا، فانتشار الشائعات، والترويج للعنف، والانجراف وراء الإدمان، كلها يمكن أن تُفهم في الإطار ذاته: استجابة لنداء الشر الكامن في النفس، حين يغيب الوعي ويضعف الضمير.
ورغم هذا التأثير، فإن القرآن يقرّر مسؤولية الإنسان عن أفعاله، كما في قوله تعالى على لسان الشيطان يوم القيامة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إبراهيم: 22 .
فإذا كان الشيطان هو العدو الأول، فإن الوعي هو السلاح الأول: الوعي بالنفس، وبمكامن الضعف، وبالقيم التي تحمي الإنسان من السقوط، كما أن التمسك بالإيمان، والالتزام بالأخلاق، ومراجعة النفس باستمرار، تشكل حصنًا منيعًا أمام وساوس الانحراف.
واعلم أيها القارئ الكريم: أن الإسلام لم يترك المؤمن بلا سلاح، بل أرشده إلى وسائل الحماية من عدوه الأول، منها: على سبيل الذكر لا الحصر:
-
الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى: قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الأعراف: 200.
-
ذكر الله عز وجل: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” مَن قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وحدَه لا شَريكَ له، له المُلكُ وله الحَمدُ، وهو على كُلِّ شَيءٍ قديرٌ، في يَومٍ مِئةَ مَرَّةٍ؛ كانَت له عَدلَ عَشرِ رِقابٍ، وكُتِبَت له مِئةُ حَسَنةٍ، ومُحيَت عنه مِئةُ سَيِّئةٍ، وكانَت له حِرزًا مِنَ الشَّيطانِ يَومَه ذلك حتَّى يُمسيَ، ولم يَأتِ أحَدٌ بأفضَلَ ممَّا جاءَ به إلَّا أحَدٌ عَمِلَ أكثَرَ مِن ذلك.” البخاري رقم: 3293، ومسلم رقم: 2691 باختلاف يسير.
-
قراءة آية الكرسي: وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم لمن قرأها: ” … وكَّلَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بحِفظِ زَكاةِ رَمَضانَ، فأتاني آتٍ فجَعَلَ يَحثو مِنَ الطَّعامِ فأخَذتُه، فقُلتُ: لَأرفَعَنَّكَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -فذَكَرَ الحَديثَ-، فقال: إذا أويتَ إلى فِراشِكَ فاقرَأْ آيةَ الكُرسيِّ، لَن يَزالَ عليك مِنَ اللهِ حافِظٌ، ولا يَقرَبُكَ شيطانٌ حتَّى تُصبِحَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: صَدَقَكَ وهو كَذوبٌ، ذاكَ شيطانٌ.” جزء من حديث طويل أخرجه البخاري برقم: 3275.
-
التمسك بالجماعة: قال صلى الله عليه وسلم: ” علَيكُم بالجماعةِ، وإيَّاكم والفُرقةَ؛ فإنَّ الشَّيطانَ معَ الواحدِ، وَهوَ منَ الاثنَينِ أبعدُ، مَن أرادَ بَحبوحةَ الجنَّةِ فلْيلزَمِ الجماعةَ، مَن سرَّتهُ حسنتُهُ وساءتْهُ سَيِّئتُهُ فذلِكم المؤمنُ” صحيح الترمذي رقم:2165.
وأخيرا أيها القارئ الكريم: اعلم: أن المعركة الحقيقية لا تدور في الخارج، بل في داخل كل إنسان؛ حيث تتصارع الرغبات مع المبادئ، وحيث يُختبر الصدق مع الذات، والانتصار في هذه المعركة لا يكون بالصوت المرتفع، بل بالثبات والصبر وحسن الاختيار.
فاحذر أخي الكريم من الانزلاق وراء نزوات عابرة قد تُكلّف الإنسان مستقبله وسعادته، وبين دعوة الخير ونداء الشر يبقى القرار بيد الإنسان، فإما أن يستجيب لصوت الحكمة، وإما أن ينجرّ خلف وسوسة عدوٍ أقسم ألا يتركه وشأنه.
فالصراع قائمًا ما بقي الإنسان، لكن الفوز فيه ليس مستحيلًا؛ فكلما تمسّك العبد بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ضعف كيد الشيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ النساء: 76.