جامعة كبرى تمنح درجة التقوى بقلم: د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية

0 189

لا شك أن القارئ الكريم مجرد أن يقرأ هذا العنوان (جامعة كبرى تمنح درجة التقوى)، يقول أي جامعة هذه التي تمنح درجة التقوى؟، فالإجابة تكون في قول الله عز وجل: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” سورة البقرة 183، فهذه الجامعة هي جامعة صيام رمضان، بوصفه أي (صيام رمضان) فريضة افترضها الله تعالى على كل مسلم، بالغ، عاقل، مقيم، صحيح، وبالنسبة للمرأة يجب أن تكون طاهرة من الحيض والنفاس، لتزكية النفس وتعزيز القيم الأخلاقية والاجتماعية، بفعل الطاعات واجتناب المنهيات.
فالصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل يمتد ليشمل تهذيب السلوك وضبط النفس وتعزيز روح التضامن. فالصيام يمثل تدريباً عملياً على التقوى، بما يرسخه من وعي دائم برقابة الله، واستشعار لمعاناة المحتاجين، قال تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” سورة البقرة: 183، فبهذه الآية الكريمة يتجلى البعد العميق لفريضة الصيام في الإسلام؛ فهي ليست عبادة طارئة ولا تشريعاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة ممتدة من الرسالات السماوية، وركن أصيل في بناء الإنسان المؤمن.
فقول الله تعالى: ” كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” يحمل في طياته معاني الاستمرارية والغاية، ويضع التقوى هدفاً سامياً لهذه الفريضة العظيمة.
الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب من الفجر إلى المغرب، بل هو مدرسة روحية متكاملة، يتعلم فيها الإنسان معنى الانضباط الذاتي، وضبط الشهوات، ومجاهدة النفس، فحين يجوع الصائم ويعطش، يتذكر نعمة الله عليه، ويستشعر حاجة الفقير والمحروم، فيرق قلبه وتسمو روحه.
ويأتي قول الله تعالى: ” كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ” ليؤكد أن الصيام عبادة عرفتها أمم سابقة بأشكال مختلفة، ما يدل على أهميتها في تهذيب النفس وبناء المجتمعات، فهو تدريب سنوي على الصبر، وقوة الإرادة، ومراجعة الذات، وإعادة ترتيب الأولويات.
أما الغاية المعلنة في الآية فهي “لعلكم تتقون”، أي لعلّكم تبلغون مرتبة التقوى؛ تلك الحالة من الوعي الدائم بحضور الله في الحياة، والخشية التي تدفع إلى فعل الطاعات واجتناب المنهيات.
فالصيام لا يهدف إلى إرهاق الجسد، بل إلى إحياء القلب، ولا إلى حرمان الإنسان، بل إلى تحريره من أسر العادات والشهوات.
وفي شهر رمضان تتجلى هذه المعاني بوضوح؛ إذ تزداد الطاعات، وتُضاعف الصدقات، وتتعزز الروابط الاجتماعية، فيصبح المجتمع أكثر قرباً وتراحماً، وكأن الصيام يعيد تشكيل الروح الجماعية للأمة.
إنها دعوة سنوية للارتقاء، ومناسبة لمراجعة السلوك وتصحيح المسار، فحين نفهم الصيام على حقيقته، ندرك أنه ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لبناء إنسان تقيّ، يراقب ربه في السر والعلن، ويجعل من حياته كلها عبادة وسعياً نحو الخير.
وهكذا تظل الآية الكريمة دستوراً خالداً يذكرنا بأن الصيام طريق إلى التقوى، وأن التقوى هي زاد الإنسان في رحلته إلى الله.
وهكذا، لم تكن “درجة التقوى” شهادة تُمنح على الورق، بل مفهوماً تُجسده الممارسة اليومية في شهر رمضان، حيث يصبح الصيام جامعة كبرى يتخرج منها الصابرون بقيم أسمى وسلوك أرقى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط