الكاتب الصحفى محمد بهلول يكتب: الأكاديمية العسكرية والأمن الوطني: صراع صامت على “صكوك الولاء” في مصر

0 197

لم يعد دور الأكاديمية العسكرية المصرية محصوراً في إعداد ضباط الميدان، بل تمددت صلاحياتها لتصبح “المصفاة” النهائية التي يمر عبرها موظفو الدولة المدنيون.

ولعل واقعة استبعاد عدد من خطباء وزارة الأوقاف مؤخراً، رغم كفاءتهم العلمية، تفتح الباب واسعاً أمام تساؤل جوهري: هل نحن أمام آلية جديدة للضبط الإداري، أم أننا نشهد فصلاً من فصول إعادة رسم موازين القوى بين أجهزة الدولة السيادية؟

الأكاديمية العسكرية: من التدريب إلى “الهيمنة”

تجاوزت الأكاديمية العسكرية وظيفتها التقليدية لتتحول إلى معمل لتصنيع “الموظف المنضبط” وفق الرؤية العسكرية, فرض التدريب العسكري كشرط للتعيين في وظائف مدنية (أطباء، مهندسون، ومعلمون، وأئمة) يعني أن الدولة لم تعد تكتفي بالولاء السياسي، بل تبحث عن “صبغة” موحدة لكافة مفاصل الجهاز الإداري.

في حالة خطباء الأوقاف، لم يعد “الأزهر” هو المرجعية الوحيدة للصلاحية؛ بل أصبحت الأكاديمية العسكرية هي من يقرر من يصلح للصعود على المنبر، مما يعزز فرضية أن “الولاء العسكري” بات يسبق “التخصص المهني”.

الصراع الصامت: سحب بساط “التحريات”

لعدة عقود، كان قطاع الأمن الوطني (أمن الدولة سابقاً) التابع لوزارة الداخلية هو الحارس الأوحد لبوابة التعيينات عبر “التحريات الأمنية”, إلا أن صعود دور الأكاديمية العسكرية يشير إلى تحول جذري في توزيع النفوذ:

  1. تفتيت المركزية: دخول القوات المسلحة على خط “فرز” الموظفين يعني كسر احتكار وزارة الداخلية لملف المعلومات والتحكم في الموارد البشرية للدولة.

  2. أزمة الثقة: قد يُفهم هذا التوجه على أنه رغبة من القيادة السياسية في الاعتماد على “العقيدة العسكرية” الأكثر صرامة، بدلاً من أجهزة الأمن التقليدية التي قد تخضع لتوازنات أو تشابكات مدنية قديمة.

  3. تنافس مراكز القوى: نحن أمام مشهد يتسابق فيه قطبان سياديان؛ أحدهما يمتلك “المعلومات التاريخية” (الأمن الوطني)، والآخر يمتلك “الشرعية التنفيذية” والقدرة على إعادة التأهيل (الأكاديمية العسكرية).

تداعيات “عسكرة الاختيار” على مؤسسات الدولة

هذا التنافس، وإن بدا صامتاً، يترك أثراً عميقاً على بنية الدولة:

  • ازدواجية الرقابة: يجد الموظف نفسه تحت مطرقة الأمن الوطني وسندان الأكاديمية العسكرية، مما يخلق بيئة عمل قائمة على الخوف والامتثال التام بدلاً من الإبداع.

  • تآكل المدنية: عندما تصبح المؤسسة العسكرية هي المرجعية في اختيار الإمام أو المعلم، تفقد الوزارات المدنية هيبتها وتتحول إلى مجرد “جهات تنفيذية” لقرارات تصدر من خلف الأسوار العسكرية.

  • خلق نخب ولائية: التنافس بين الأجهزة يؤدي في النهاية إلى خلق “نخب” تدين بالولاء للجهاز الذي مررها، مما قد يقسم الجهاز الإداري للدولة إلى جزر منعزلة تتبع مراكز قوى مختلفة.

إن استبعاد خطباء الأوقاف من خلال بوابة الأكاديمية العسكرية ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو إعلان عن واقع جديد في مصر, واقع يعيد تعريف “المواطنة” و”الوظيفة العامة” من منظور أمني عسكري صرف.

وإذا استمر هذا التنافس بين “أمن وطني” يتوغل تاريخياً و”أكاديمية عسكرية” تتمدد حالياً، فإن الضحية الكبرى ستكون هي المؤسسات المدنية التي ستفرغ تدريجياً من استقلاليتها لصالح صراع صامت على امتلاك “صكوك الولاء”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط