الكاتب الصحفى محمد بهلول يكتب: هيكلة القضاء في تعديلات 2019..هل استوعبت الدولة استقلال “الحصن الأخير”؟
شكلت تعديلات عام 2019 على الدستور المصري نقطة تحول جوهرية في مسار العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية, فبينما جاءت تلك التعديلات تحت شعارات “التنسيق والمواءمة”، يرى الكثير من الفقهاء الدستوريين أنها أعادت صياغة مفهوم “استقلال القضاء” بشكل يمنح رأس السلطة التنفيذية مفاتيح إدارية لم تكن متاحة من قبل.
كسر قاعدة الأقدمية وتكريس “حق الاختيار”
أبرز ما حملته التعديلات في المواد (185، 189، 193) هو تقنين آلية جديدة لتعيين رؤساء الهيئات القضائية (محكمة النقض، مجلس الدولة، قضايا الدولة، النيابة الإدارية) والنائب العام، وكذا رئيس المحكمة الدستورية العليا.
فبعد أن كان العرف القضائي المستقر يقوم على “الأقدمية المطلقة” كحائط صد ضد التدخلات السياسية، منحت التعديلات رئيس الجمهورية سلطة اختيار هؤلاء الرؤساء من بين “أقدم سبعة نواب” للهيئات القضائية، واختيار النائب العام من بين ثلاثة مرشحين يختارهم مجلس القضاء الأعلى.
هذا الانتقال من “الأقدمية” إلى “الاختيار” يفتح بابا للتساؤلات حول مدى تأثير الرغبة في “نيل الرضا السياسي” على الترقيات والمسارات المهنية داخل أروقة القضاء.
المجلس الأعلى للجهات القضائية: تنسيق أم هيمنة؟
استحدثت التعديلات رئاسة رئيس الجمهورية لـ “المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية”، وهو المجلس المعني بالنظر في شروط التعيين والترقي والتأديب.
ورغم أن الحكومة بررت ذلك بضرورة وجود آلية للتنسيق بين الهيئات القضائية المختلفة، إلا أن وضع رئيس الدولة (وهو الخصم أحياناً في القضايا الإدارية عبر الحكومة) على رأس هذا المجلس، قد يمس جوهر الفصل بين السلطات.
فالمجلس بات يمتلك صلاحيات استشارية في القوانين المنظمة للقضاء، مما يجعل السلطة التنفيذية طرفاً أصيلاً في صياغة القوانين التي تحكم عمل “ميزان العدالة”.
التداعيات المترتبة: القضاء تحت المجهر
تتجاوز تداعيات هذه التعديلات مجرد تغيير الوجوه القيادية، لتصل إلى:
-
المساس بـ “الاستقلال الهيكلي”: إن تبعية رؤساء الهيئات لقرار التعيين الرئاسي قد تُضعف – ولو معنوياً – من قدرة القضاء على الوقوف حكماً عدلاً في النزاعات التي تكون الدولة طرفاً فيها.
-
خلق منافسة “غير قضائية”: إلغاء الأقدمية المطلقة قد يدفع البعض للسعي وراء التوافق مع توجهات السلطة لضمان الوصول للمناصب العليا، مما يهدد وحدة الصف القضائي.
-
تآكل الثقة الدولية والمحلية: يُنظر إلى استقلال القضاء كمؤشر أساسي للاستقرار وجذب الاستثمارات, وأي اهتزاز في هذا الاستقلال قد يُقرأ دولياً كنوع من “تأميم” العدالة لصالح السلطة القائمة.