د. عصام عبد ربه مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية يكتب: “التعامل مع الآخرين في الإسلام “
مما لا ريب فيه أن الإسلام دين يركز على التعامل الجيد مع الآخرين، حيث يؤكد على أهمية الاحترام والتسامح والتعاون. حيث إنه دينٌ شاملٌ لم يقتصر على علاقة الإنسان بربّه فقط، بل امتدّ ليضع أُسسًا ومبادئ واضحة للتعامل مع الآخرين، سواء كانوا من المسلمين أو غير المسلمين، من الأقرباء أو الغرباء. وقد اهتمّ الإسلام اهتمامًا بالغًا بالأخلاق والعلاقات الاجتماعية، قال صلى الله عليه وسلم: “إنما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاقِ “، وفي رواية: ” إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ.” (رواه أبو هريرة وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم:45)، وفي هذا المقال، سأذكر بعض المبادئ الأساسية للتعامل مع الآخرين في الإسلام على سبيل الذكر لا الحصر فأقول وبالله التوفيق:
أولا: مبادئ التعامل مع الآخرين في الإسلام:
-
الاحتراموالتقدير:لا شك أن الإسلام يحث على احترام الآخرين، بغض النظر عن دينهم أو عرقهم أو جنسيتهم، فاحترام الناس وتقديرهم من القيم الإسلامية الراسخة، بغض النظر عن أعمارهم أو أنسابهم أو مكانتهم الاجتماعية. قال النبي صلى الله عليه وسلم “ ليسَ منَّا من لَم يَرحَمْ صغيرَنا، ويعرِفْ حَقَّ كَبيرِنا.” (رواه عبد الله بن عمرو وصححه الألباني في صحيح الترغيب رقم: 100)، ففي الحديث حِرص الإسلام على البر ومراعاة حقوق الناس على اختلاف أعمارهم وأحوالهم وأن الاحترام لا يكون انتقائيًا، بل هو قيمة عامة تُمارس مع الجميع، ويشمل الاحترام أيضًا حسن الاستماع، وتجنّب السخرية أو التحقير، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ… الآية” (سورة الحجرات: 11).
-
العفو والتسامح:حثالإسلام على التسامح مع الآخرين، وعدم الحكم عليهم بناءً على أخطائهم، ففي مواقف الغضب والخلاف، لا بد من تحكيم العقل والتسامح، وهذا ما يدعو إليه الإسلام قال تعالى: “وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ…” (سورة آل عمران:135)، وقد عفا النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة يوم الفتح، وقال لهم: ” يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء”،(وإن كان الحديث ضعفه بعض أهل العلم إلا أن له شواهد)، ولا شك أن هذا أعظم مثل في التسامح الإنساني.
-
الإحسان والتعاون:حثّالإسلام على الإحسان في كل شيء، حتى في أبسط التصرفات، مثل إلقاء السلام، والبشاشة، والكلمة الطيبة، قال صلى الله عليه وسلم: ” تبسمك في وجه أخيك لك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة” [رواه أبو ذر الغفاري وصححه الألباني في صحيح الترمذي رقم: 1956)، ففي الحديث بيان لبعض من أوجه الإحسان والتعاون منها صناعة المعروف، ومساعدة الناس، والإحسان إليهم من أجل الأعمال التي حث عليها الشرع الحنيف ورغب فيها؛ حيث بين الشرع الحنيف عظم جزاء ذلك وجزيل ثوابه، كما حث الإسلام على التعاون في الخير، قال تعالى: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” (المائدة: 2). ففي الآية حث الإسلام على التعاون مع الآخرين، ومساعدتهم في الأوقات الصعبة.
-
الصدقوعدم الكذب: شدد الإسلام على أهمية الصدق في التعامل مع الآخرين، وعدم الكذب أو الخداع، قال صلى الله عليه وسلم: “إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا” (رواه البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رقم (6094)، ففي الحديث يُعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نكون صادقين محبين للصدق، ويخبر بأجر الصادقين ومنزلتهم؛ ليحملنا على التزامه،ثم نفر النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب – وهو قول الباطل، والإخبار على غير ما هو في الواقع، (رغب النبي صلى الله عليه وسم في الصدق ورهب من الكذب).
-
الكرم والجود:لا شك أن الكرم والجود من صفات المسلمين الصالحين، قال تعالى: “لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون” (سورة آل عمران، الآية 92)، فالكرم والجود صفتان حميدتان تدلان على العطاء والسخاء، وهما من الأخلاق الإسلامية النبيلة، فالكرم هو الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره ونفعه، بينما الجود هو إعطاء ما ينبغي لا لغرض. وكلاهما يعبر عن سمو النفس وحب الخير للآخرين.
-
العدل والإنصاف: العدلمن أهم مبادئ الإسلام في التعامل مع الآخرين، حتى مع من نختلف معهم،قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ، وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ” (المائدة: 8). فالإسلام لا يبيح الظلم مطلقًا، ولو مع العدو، بل يأمرنا بالعدل والإنصاف في جميع الأحوال.
والعدل والإنصاف مصطلحان مترابطان، ولكنهما ليسا متطابقين، فالعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه، وهو مبدأ عام يشمل المساواة في المعاملة وتطبيق القانون، أما الإنصاف فهو أوسع من العدل، ويتضمن أخذ الظروف الخاصة بعين الاعتبار لتحقيق العدالة في كل حالة على حدة، وبمعنى آخر، العدل هو تطبيق القانون، والإنصاف هو تحقيق العدالة في التطبيق. فالعدل والإنصاف في التعامل مع الآخرين من أهم المبادئ الإسلامية، قال تعالى: “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط” (سورة النساء: الآية 135)، فالعدل والإنصاف وجهان لعملة واحدة، وكلاهما ضروري لتحقيق مجتمع عادل ومزدهر (فالعدل هو الأساس الذي يبنى عليه الإنصاف، والإنصاف هو تحقيق العدالة في التطبيق العملي. (
ويمكن لنا أن نقول: أن العدل والانصاف مبدأ فريد يجعل من المسلم نموذجًا في النزاهة والاعتدال.
-
كظم الغيظ والعفو: منالقيم النبيلة التي دعا إليها الإسلام، كظم الغيظ والعفو عن الناس، وهي من صفات المتقين،قال تعالى: “وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” (آل عمران: 134)، وهذا يعكس روح التسامح التي يريد الإسلام غرسها في نفوس المسلمين.
-
حسن الخلق: يعدُّحسن الخلق من أعظم الصفات التي دعا إليها الإسلام، وهو الأساس في بناء العلاقات السليمة مع الآخرينعلى أسس من الرحمة، والعدل، والإحسان، والتسامح، فأمر بحسن الخلق، ونهى عن الظلم والعدوان، وجعل الأخلاق الطيبة سببًا في رفعة الإنسان في الدنيا والآخرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق“، وقد وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: “وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ” (القلم: 4). فكان صلى الله عليه وسلم نموذجًا يُحتذى في الصدق، والرحمة، واللين، والحلم، والعفو، فلا شك أن حسن الخلق مفتاح القلوب، بل يُعد من أبرز معالم الإسلام في التعامل مع الآخرين، لما له من أثر عظيم في بناء علاقات إنسانية راقية.
ثانيا: أهمية التعامل الجيد مع الآخرين:
-
بناء المجتمع: التعامل الجيد مع الآخرين يساهم في بناء مجتمع متماسك ومتعاون.
-
تعزيز العلاقات: التعامل الجيد مع الآخرين يعزز العلاقات الاجتماعية ويقوي الروابط بين الناس.
-
تحقيق السعادة: التعامل الجيد مع الآخرين يساهم في تحقيق السعادة والرضا النفسي.