الكرملين أم “الكريمليم”؟: أزمة نشأت الديهي في موسكو.. بين عثرات الخطاب وسؤال الضعف المهني بقلم/ المهندس أحمد عيد

0 36
في عالم الإعلام الحديث، لم يعد الظهور في المحافل الدولية مجرد أداء بروتوكولي عابر، بل هو مرآة دقيقة تعكس مستوى الوعي الثقافي، والتمكن المهني، والصورة الذهنية لمن يمثلون المنابر الرسمية للدولة.
وقد تجسد هذا بوضوح في العاصفة التي أثارها الإعلامي نشأت الديهي، أحد أبرز أصوات الإعلام الرسمي، خلال مشاركته في تغطية الحدث السياسي الأبرز بروسيا، وتوجيهه سؤالاً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
الواقعة لم تمر مرور الكرام، بل تحولت إلى مادة خصبة للجدل والتندر عبر منصات التواصل الاجتماعي، كاشفة عن هوة واسعة بين حجم التمثيل الرسمي وبين الأدوات المهنية والثقافية للبعض في صفوف الإعلاميين.
سقطات موسكو: بين “الكريمليم” و”القناة العاشرة”
لم تكن الانتقادات الموجهة للديهي مجرد هجوم عابر، بل استندت إلى أخطاء واضحة وثقتها الكاميرات وتم تداولها على نطاق واسع:
الخطأ اللغوي والمعرفي (“الكريمليم”):
كرر الديهي نطق مصطلح “الكرملين” – المقر الرئاسي الروسي الشهير وعنوان القرار السياسي في موسكو – بزيادة حرف الميم في آخره ليصبح “الكريمليم”. وهو خطأ لغوي ومعرفي فادح يعكس غياب الحد الأدنى من الإلمام بالمصطلحات السياسية والدولية الأساسية التي يتعين على أي صحفي أو إعلامي دولي الإحاطة بها.
الخطأ المهني والتعريفي (“القناة العاشرة المصرية”):
أثناء تعريفه بنفسه أمام الرئيس الروسي، استخدم الديهي تعبير “القناة العاشرة المصرية” مترجماً لاسم قناته (TeN).
وهنا تبرز نقطة دقيقة ومهمة تستحق التصحيح والتدقيق؛ فحرفياً وتاريخياً، لا يُعد اختصار (TeN) اختصاراً للرقم (10)، بل هو الأحرف الأولى للاسم الإنجليزي القديم للقناة (Tahrir Entertainment Network) أي “شبكة التحرير الترفيهية” (وهو الامتداد للاسم التاريخي “قناة التحرير”).
كما أن نشأت الديهي يشغل منصب رئيس مجلس إدارة القناة (ومقدم برنامج “بالورقة والقلم”)، وهو أحد أبرز وجوه إدارتها وتحريرها.
وقد كان هذا بالضبط مربط الفرس في الأزمة؛ إذ اعتبر المنتقدون أن ترجمته لاسم القناة إلى “القناة العاشرة المصرية” أمام الرئيس الروسي بناءً على تشابه نطق حروف (Ten) كان تعريباً غير دقيق وارتجالاً غير موفق، لاسيما وأن الوجدان العام في المنطقة يرتبط تاريخياً بـ “القناة العاشرة الإسرائيلية”، مما أضفى طابعاً من الإرباك على المشهد الدبلوماسي.
جبهات الهجوم: رصد لردود الفعل النقدية
تفاعل الوسط الصحفي والشخصيات العامة بحدة مع الواقعة، وتوزعت الانتقادات على عدة محاور رئيسية:
هجوم الكاتب الصحفي خالد محمود:
ركز محمود بشكل قاطع على النطق المغلوط لمصطلح “الكرملين”، معتبراً إياه دليلاً ساطعاً على أزمة ثقافية ومعرفية متأصلة. ووصف استخدام هذه التعبيرات بأنها “مصطلحات بديعة مفتكسة” لا تمت للعمل المهني بصلة. ولم يتردد في شن هجوم حاد واصفاً الأداء بأنه ينم عن “غباء وجهل متراكم ومركب”، ومتهكماً بالقول إن الديهي بدا كأنه “غبي عصامي” اجتهد بمفرده ليصل إلى هذه الحالة غير المسبوقة من تدني الوعي. واعتبر أن سقطة كهذه من إعلامي يتصدر المشهد كفيلة بإنهاء أي حاجة للنقاش حول أي طرح أو محتوى قد يقال لاحقاً.
موقف علاء مبارك وشخصيات عامة:
من جانبها، ركزت جبهة الشخصيات العامة، وعلى رأسهم علاء مبارك، على الاعتبار الدبلوماسي ومظهر مصر بالخارج. واعتبر المنتقدون أن الخلط المهني والسياسي في محفل دولي أمام رئيس دولة كبرى يتطلب دقة بالغة، مشيرين إلى أن وصف “القناة العاشرة” أعطى إيحاءات مضللة، ووجهوا اتهامات بالسطحية والارتجال غير المدروس الذي يسيء لسمعة الإعلام المصري أمام الدوائر الدولية والروسية.
انتقادات أعضاء نقابة الصحفيين (هشام يونس وإيمان عوف):
على الصعيد النقابي، انتقد أعضاء بمجلس نقابة الصحفيين الواقعة بوصفها تجسيداً لظاهرة “الإعلام ذي الصوت الواحد” الذي يفتقر لأدوات الصحافة الاستقصائية أو مراسلي الخارج. واعتبروا أن العجز عن نطق اسم المؤسسة السياسية الصحيح، والترجمة المربكة لاسم القناة أمام قادة العالم، يعكسان أزمة حقيقية في آليات اختيار الكفاءات التي تتصدر المشهد الإعلامي المصري الحالي.
دفاع الديهي: بين تبرير الاسم ومحاولة احتواء الأزمة
في مقابل هذه الجبهات، خرج الديهي عبر برنامجه “بالورقة والقلم” للرد على منتقديه، مدافعاً عن موقفه ومؤكداً أن ما حدث لم يكن سهواً.
أوضح الديهي أن تسمية “القناة العاشرة” مطروحة منذ عام 2024، وجاءت بعد عتاب من الكاتب حلمي النمنم بشأن استخدام أسماء أجنبية بينما يتم الدفاع عن اللغة العربية.
وأشار إلى أنه رفض العودة لاسم “قناة التحرير” لأنه لا يرتبط بذلك الإرث، مفضلاً التوجه نحو تعريب الاسم، ومؤكداً أن الفريق يستخدم الاسم منذ فترة طويلة.
ووصف الديهي الهجوم بأنه “عملية اغتيال فاشلة” ومحاولة للتشويه، مشدداً على أنه أمضى سنوات طويلة في إدارة القناة ويعلم جيداً أبعاد الأمور.
كما لفت إلى أن بعض الصحفيين العرب والأفارقة أثنوا على سؤاله في الكواليس ووجدوه رائعاً ولبقاً، معتبراً أن المنتقدين ركزوا على الجانب الشكلي وتجاهلوا مضمون السؤال السياسي الموجه لبوتين.
خلاصة تحليلية: أزمة وعي أم استهداف عابر؟
يمكن القول إن الواقعة تجاوزت كونها مجرد “سقطة لسان” عابرة؛ فقد تحولت إلى مؤشر دال على التحديات البنيوية التي تواجه الخطاب الإعلامي الرسمي في مصر.
فمن ناحية، تعكس الأخطاء اللغوية والمعرفية (مثل “الكريمليم”) حالة واضحة من الضعف المهني وغياب التأسيس الثقافي الرصين الذي يليق بمنبر يتحدث باسم الدولة في الخارج.
ومن ناحية أخرى، أظهرت الواقعة فجوة بين رغبة الإعلام في تقديم رسائل وطنية أو هوياتية (مثل تعريب اسم القناة) وبين التنفيذ العملي الذي جاء مربكاً وغير مدروس دبلوماسياً، مما فتح الباب واسعاً أمام الانتقادات والسخرية العامة.
إن المعالجة الرصينة لمثل هذه الأزمات لا تكمن في التقليل من شأن الانتقادات أو اتهام الخصوم بالتربص، بل في إعادة الاعتبار لمعايير الكفاءة، والتدقيق المهني، والثقافة العامة، لضمان أن يخرج الخطاب الإعلامي المصري بالصورة الرصينة التي تعكس ثقل الدولة وتاريخها في المحافل الدولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط