دكتور صبحى الإمام يكتب …. مصر.. صمام أمان المنطقة وبوصلة الاستقرار في عالم مضطرب

0 74
حين تضطرب المنطقة، تتجه الأنظار إلى مصر.. وحين تتعقد الأزمات، تبرز أهمية الدولة التي تدرك أن السلام ليس شعارًا يُرفع، بل مسؤولية تاريخية تتطلب الحكمة والقوة والرؤية .
في لحظة تاريخية شديدة التعقيد، يقف العالم أمام تحولات متسارعة وصراعات متشابكة، تتراجع فيها أحيانًا لغة الحوار أمام أصوات السلاح، وتتداخل فيها المصالح الدولية مع الأزمات الإقليمية، بينما تتحمل الشعوب البسيطة الثمن الأكبر من الحروب وعدم الاستقرار .
وفي قلب هذا المشهد، تبرز مصر باعتبارها دولة محورية في معادلات الشرق الأوسط، وركيزة أساسية في منظومة الأمن العربي، وصاحبة دور تاريخي في دعم التسويات السياسية، واحتواء الأزمات، والدفاع عن القضايا العربية العادلة .
إن الحديث عن مصر ليس حديثًا عن جغرافيا فحسب، ولا عن تاريخ عريق صنعته حضارة آلاف السنين، وإنما هو حديث عن دولة تمتلك مقومات التأثير، وتتحمل مسؤوليات إقليمية تفرضها مكانتها وموقعها وعلاقاتها الممتدة عربيًا وإفريقيًا ودوليًا
مصر.. حكمة التاريخ ومسؤولية الحاضر .
لم تكن مصر يومًا بعيدة عن قضايا أمتها، ولم تنفصل مصالحها الوطنية عن محيطها العربي والإفريقي. فمنذ عقود طويلة، ارتبط اسم القاهرة بمحطات مهمة في العمل العربي المشترك، وبجهود التفاوض والتسوية السياسية، وبالسعي إلى حماية استقرار المنطقة من الانزلاق إلى صراعات مفتوحة .
واليوم، تزداد أهمية هذا الدور في ظل الأزمات التي تحيط بالدولة المصرية من اتجاهات متعددة، بدءًا من الحرب في قطاع غزة، مرورًا بالأوضاع المعقدة في السودان وليبيا، وصولًا إلى التحديات المرتبطة بأمن البحر الأحمر وحركة التجارة العالمية .
إن التعامل مع هذه الملفات المتشابكة يحتاج إلى سياسة تدرك أن كل أزمة إقليمية يمكن أن تتحول إلى تهديد أوسع، وأن أمن الدول لا يتحقق بمعزل عن أمن جيرانها، وأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على انتصار طرف بقدر ما يُبنى على تسويات عادلة تحمي الشعوب وتصون سيادة الدول .
وهنا تتجلى أهمية الدبلوماسية المصرية، التي تملك قنوات اتصال وخبرة متراكمة في التعامل مع أطراف مختلفة، وتسعى إلى توظيف هذه الأدوات في خدمة المصالح الوطنية ودعم الاستقرار الإقليمي .
فلسطين.. القضية التي تختبر ضمير العالم
تظل القضية الفلسطينية واحدة من أهم الاختبارات الحقيقية لمصداقية النظام الدولي، ولقدرة المجتمع الدولي على حماية حقوق الإنسان وتطبيق قواعد القانون الدولي دون ازدواجية في المعايير .
وقد وضعت الأحداث في قطاع غزة المنطقة أمام مسؤوليات جسيمة، في مقدمتها وقف الحرب، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ومنع التهجير القسري، وتهيئة الطريق أمام تسوية سياسية تحقق للشعب الفلسطيني حقه في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة .
وفي هذا السياق، تؤدي مصر دورًا بالغ الأهمية بحكم الجغرافيا والتاريخ والعلاقات السياسية، فضلًا عن ارتباط الأمن القومي المصري ارتباطًا مباشرًا بما يجري في الأراضي الفلسطينية .
ويظل الموقف المصري الرافض لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، والداعم لحل سياسي عادل، تعبيرًا عن إدراك عميق لخطورة تصفية القضية الفلسطينية أو تحويل معاناة الشعب الفلسطيني إلى أزمة ممتدة تتجاوز حدود المنطقة .
إن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على فرض الأمر الواقع، ولا على تجاهل الحقوق المشروعة للشعوب، وإنما يحتاج إلى إرادة سياسية تعترف بأن الأمن المستدام لا يتحقق إلا بالعدل، وأن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يستقر ما دامت القضية الفلسطينية بلا حل عادل وشامل .
الأمن العربي.. مسؤولية تتجاوز حدود الجغرافيا
إن ما تشهده المنطقة من أزمات يفرض ضرورة إعادة النظر في مفهوم الأمن العربي، بحيث لا يظل مجرد بيانات سياسية أو اجتماعات طارئة، بل يتحول إلى منظومة حقيقية من التعاون والتنسيق والعمل المشترك .
فاستقرار السودان يمثل أهمية مباشرة لمصر وللمنطقة العربية والإفريقية، ووحدة ليبيا ومؤسساتها الوطنية ضرورة للأمن في شمال إفريقيا، كما أن أمن البحر الأحمر والممرات البحرية يرتبط بمصالح اقتصادية واستراتيجية تتجاوز الدول المطلة عليه .
ومن هذا المنطلق، فإن مصر تستطيع أن تسهم في بناء مساحات مشتركة للتفاهم بين الدول العربية، وأن تدعم المبادرات التي تضع الحوار والتعاون في مقدمة وسائل التعامل مع الخلافات .
لكن مسؤولية الأمن العربي لا تقع على دولة واحدة مهما بلغت مكانتها، بل تحتاج إلى إرادة جماعية تتجاوز الخلافات، وتضع المصالح المشتركة فوق الحسابات الضيقة، وتدرك أن تفكك الدول وإضعاف مؤسساتها يفتحان المجال أمام التدخلات الخارجية والفوضى والتطرف .
إن قوة العرب في قدرتهم على التعاون، وضعفهم يبدأ عندما تتحول خلافاتهم إلى فرصة يستفيد منها الآخرون .
قناة السويس.. شريان العالم ومسؤولية استراتيجية
تمنح قناة السويس مصر مكانة استثنائية في حركة التجارة الدولية، فهي ليست مجرد ممر مائي داخل الأراضي المصرية، بل شريان حيوي يربط بين الأسواق والقارات، ويسهم في تسهيل حركة السلع والطاقة والبضائع حول العالم.
وقد أظهرت اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر مدى تأثر الاقتصاد العالمي بالأزمات الأمنية في الممرات البحرية، وكيف يمكن للتوترات الإقليمية أن تنعكس على تكاليف الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد .
وهذا يؤكد أن استقرار المنطقة ليس مصلحة مصرية أو عربية فحسب، بل مصلحة دولية أيضًا .
ومن هنا، فإن حماية الملاحة البحرية وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي واحترام قواعد القانون الدولي تمثل جميعها عناصر أساسية للحفاظ على المصالح المشتركة .
إن الموقع الاستراتيجي لمصر يمنحها فرصًا واسعة للتأثير، لكن تحويل هذه الفرص إلى مكاسب مستدامة يتطلب أيضًا اقتصادًا قويًا، وبنية تحتية متطورة، وشراكات تجارية متنوعة، وقدرة على مواجهة التقلبات العالمية .
إفريقيا.. العمق الاستراتيجي وبوابة المستقبل
لا يمكن تصور دور مصري مكتمل دون علاقات إفريقية قوية تقوم على التعاون والتنمية والمصالح المتبادلة .
حفظ الله مصرنا الغالية صخرة .

 

دكتور صبحى الإمام عتمان رئيس الاتحاد العربى للعلوم الثقافية و الأدبية
أمين عام حزب أبناء مصر بالمنوفية و عضو الهيئة العليا بالحزب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط