الصحفي المصري وحالة البؤس والعوز والحرمان بقلم:د أيمن السيسي

0 5
أثار موضوع القبض على صحفي يعمل في موقع «متصدقش»، ومعه خمسة من الشباب المتدربين الذين يمارسون العمل الصحفي في الموقع نفسه، ضجيجاً أكبر من حجمه، وانبرى عدد من أعضاء مجلس نقابة الصحفيين والنقيب للدفاع عنهم، وهذا حقهم، وحق الانتخابات عليهم.. ما علينا.
لكن ما أثار انتباهي بصورة أكبر هو انتقال القضية إلى دوائر ومنظمات دولية تتخذ من الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان عناوين لحملاتها وانتقاداتها للدولة المصرية. وأقول هنا: الدولة المصرية وليست النظام الحاكم؛ فالأنظمة، مهما طال عمرها، تتغير وتزول، بينما بقاء الدولة واستقرار مؤسساتها يظل هو الأهم.
ولا يمكن تجاهل أن هناك قوى إقليمية ودولية لها مصالحها وحساباتها تجاه مصر، وتسعى إلى التأثير في الداخل المصري عبر ملفات متعددة، من بينها ملف الحريات والإعلام وحقوق الإنسان. وفي خضم ذلك، يجد بعض الشباب أنفسهم في دائرة الصراع، مدفوعين بالحماس أو الظروف الصعبة أو الرغبة في التعبير عن الغضب، دون أن يدركوا دائماً إلى أين يمكن أن تقودهم مواقفهم.
والحقيقة التي لا ينبغي إنكارها أن الدولة أخفقت بدرجة كبيرة في إدارة ملف الإعلام، وهو فشل أدى إلى حالة من الاحتقان بين قطاع من الصحفيين والإعلاميين. كما أن الأوضاع المهنية والمعيشية الصعبة التي يعيشها كثير من العاملين في الصحافة لا يمكن تجاهلها أو التقليل من آثارها.
لكن السؤال الذي أطرحه على نفسي، كصحفي يعاني مثل غيره من أزمات المهنة وضغوط الحياة: هل غضبي من هذا الواقع، أو اعتراضي على بعض السياسات والممارسات، يمكن أن يبرر أن أصبح أداة في إضعاف الدولة أو هدمها؟
بالطبع لا.
وهنا يأتي أمر آخر، وهو أنني أرى أن دفاع بعض أعضاء مجلس النقابة عن زملائهم أمر مشروع من حيث المبدأ، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى جزء من حالة استقطاب سياسي أوسع. فالمنظمات والقنوات الدولية التي تتناول مثل هذه القضايا تتحرك وفق أجنداتها ومصالحها، بينما يتحرك أعضاء النقابة، في تقديري، أيضاً في إطار حسابات انتخابية ومهنية لا يمكن فصلها تماماً عن المشهد النقابي والسياسي.
وقد ظهر ذلك بوضوح في الانتخابات الأخيرة لنقابة الصحفيين، عندما نجح خالد البلشي أمام خالد ميري، ثم شهدت الدورة التالية منافسة عبدالمحسن سلامة، بما يعكس حجم الفجوة بين اختيارات الدولة وبين قطاع من الصحفيين. والخطورة أن استمرار هذا النهج قد يدفع عدداً أكبر من الصحفيين إلى رفض أي مرشح تدعمه الدولة، ليس بالضرورة تأييداً لمواقف المجموعة التي يجري التحقيق معها، وإنما رفضاً لصورة المرشح الذي تفرضه الدولة من وجهة نظرهم.
وهنا يجب على الدولة أن تنتبه، وأن تمضي في خطوات حقيقية نحو المصالحة مع الصحفيين، ليس بالشعارات، وإنما بتحسين أوضاعهم المعيشية والمهنية، وإحداث تغييرات حقيقية في منظومة الصحافة والإعلام. ولن تعجز الدولة، إن أرادت، عن اختيار صحفيين وإعلاميين يمتلكون قدراً عالياً من المهنية، ويستطيعون العمل بمساحات مرنة توازن بين القارئ والدولة، وبين المشاهد والحكومة، دون أن تتعارض المهنية مع الوطنية والانتماء.
والحاجة اليوم ليست إلى صحفي يردد ما تريده السلطة فقط، ولا إلى صحفي يرى أن معارضة الدولة هي جوهر المهنة، وإنما إلى إعلامي مهني يستطيع أن ينتقد ويختلف ويسأل، وفي الوقت نفسه يدرك الفارق بين معارضة سياسة أو مسؤول وبين استهداف الدولة ومؤسساتها.
لقد تعلمنا على مدى سنوات العمر والتجربة المهنية أن القوى التي تعارض نظاماً ما ليست بالضرورة حريصة على مصلحة الشعوب التي تخاطبها، وأن دعم طرف سياسي أو معارض من الخارج قد يكون مرتبطاً بحسابات ومصالح تتجاوز الشخص أو القضية ذاتها.
ومصر اليوم تواجه مخاطر كبيرة، وهو ما يفرض على الجميع قدراً أكبر من الوعي والانتباه. فالأمر، في تقديري، أكبر من خلاف بين صحفيين ونقابة، أو بين معارضين ونظام حاكم؛ لأن إضعاف مؤسسات الدولة أو الجيش أو الأجهزة الوطنية يفتح الباب أمام مخاطر تتجاوز الخلاف السياسي إلى تهديد تماسك الدولة نفسها.
ومن هنا، فإن الحفاظ على الدولة لا يعني إغلاق باب النقد، ولا يعني منع المعارضة أو مصادرة حق الصحفي في الاختلاف. على العكس، الدولة القوية هي التي تستطيع استيعاب النقد، والإعلام المهني هو الذي يستطيع ممارسة دوره دون أن يتحول إلى أداة في صراع أكبر منه.
لقد تعلمنا كذلك أن حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل لا ينفصل عن وجود وطن مستقر ومؤسسات قادرة وجيش يحمي حدود الدولة ومقدراتها. ولذلك فإن علاج أخطاء النظام لا يكون بهدم الدولة، وإصلاح أخطاء بعض المسؤولين لا يكون بإضعاف مؤسساتها.
فلا ينبغي أن يدفعنا فشل بعض المسؤولين أو أخطاء بعض السياسات إلى المشاركة، عن قصد أو عن غير قصد، في إضعاف الدولة التي ننتمي إليها.
انتبهوا.. فالأخطار حقيقية، والمعركة الحقيقية ليست بين صحفي ونظام، وإنما بين دولة تسعى إلى الحفاظ على استقرارها، وقوى تريد استغلال أزماتها لإضعافها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط