رسالة إلى السادة المحافظين في مصر بقلم: د. عصام عبد ربه محمد مشاحيت أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية

0 4
السادةَ المحافظين المحترمين… نقدّر مسؤولياتكم، ونعلم أن متابعة المدارس والتأكد من جاهزيتها لاستقبال أبنائنا مع بداية العام الدراسي واجبٌ لا يجوز التقصير فيه، بل نرجو أن تكون الرقابة على مؤسساتنا التعليمية أكثر حضورًا وأكثر فاعلية.
لكن اسمحوا لنا بعتابٍ صريح…هل هكذا تكون مكافأة من حملوا أمانة التعليم على أكتافهم؟
يبدأ العام الدراسي، فيذهب المسؤول إلى المدرسة ليتفقد جاهزيتها، فيرى نقصًا هنا أو خللًا هناك، فيصبُّ غضبه على مدير المدرسة، وربما أمام العاملين، وبعبارات جارحة لا تليق بمكانة الرجل ولا بمقام المسؤول!
لكن هل سأل أحدٌ قبل أن يعاتب: ماذا فعل مدير المدرسة؟
هل سألتم كم ليلة قضاها في متابعة المدرسة؟
هل سألتم كم مشكلة واجهها؟
هل سألتم كم بابًا أصلحه، وكم مرفقًا أصلحه، وكم شيئًا أنفق عليه من ماله الخاص؟
هل سألتم عن المعلمين الذين وقفوا معه، وبذلوا من أموالهم وأوقاتهم وجهدهم، حتى تكون المدرسة مستعدة لاستقبال أبنائنا؟
كثير من هؤلاء المديرين لم ينتظروا أن تأتيهم كل الإمكانات من الجهات المختصة، ولم يقولوا: ليست مسؤوليتي!
بل تحركوا بما استطاعوا، وأنفقوا من جيوبهم، واستعانوا بزملائهم، وأصلحوا ما استطاعوا إصلاحه، وحاولوا أن يفتحوا أبواب مدارسهم في موعدها، وفي أفضل صورة ممكنة.
ثم يأتي بعض المسؤولين في دقائق معدودة، فيرى ما لم يتم إصلاحه، وينسى ما تم إصلاحه!
يرى التقصير ولا يرى التضحية، يرى العيب ولا يرى الجهد، يرى ما ينقص ولا يرى ما بُذل.
وهنا نقول بكل وضوح: المحاسبة حق، ولكن الإهانة ليست حقًّا لأحد.
من حق المحافظ أن يسأل، وأن يحقق، وأن يطلب الإصلاح، وأن يحاسب المقصر.
لكن ليس من حقه أن يُهين مدير المدرسة، أو يحط من قدره أمام زملائه، أو يجعله يشعر أن سنوات خدمته وجهده لا قيمة لها.
إن أخطأ المدير فحاسبوه، وإن قصّر فقوموه، وإن عجز فساندوه، وإن أحسن فأثنوا عليه.
أما أن يكون أول ما يلقاه المسؤول في جولته هو البحث عن المخطئ، وآخر ما يلتفت إليه هو البحث عمن بذل وضحّى، فهذه ليست الإدارة التي نريدها لمدارسنا.
أيها السادة المحافظون… مدير المدرسة ليس خصمًا لكم.
إنه يعمل في الميدان الذي تديرونه، ويواجه يوميًا مشكلات ربما لا تصل إلى مكاتبكم، ويتعامل مع مئات الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين والعاملين، ويحمل مسؤولية المدرسة بما فيها من نجاحات وإخفاقات.
فإذا أردتم مدرسةً ناجحة، فلا تكسروا مديرها، وإذا أردتم معلمًا مخلصًا، فلا تجعلوه يرى مديره يُهان أمامه، وإذا أردتم إصلاح التعليم، فابدؤوا بإصلاح ثقافة التعامل مع العاملين فيه.
إن الرجل الذي ينفق من ماله الخاص لإصلاح مدرسته لا يحتاج إلى إهانة؛ بل يحتاج إلى أن يسمع كلمة: جزاك الله خيرًا. ثم يُقال له بعد ذلك: وهذه ملاحظاتنا، فاعمل على تداركها.
ما أجمل أن يدخل المسؤول المدرسة فيرى جهد العاملين، فيقول: أحسنتم فيما استطعتم، وما بقي سنعمل معًا على إصلاحه.
بهذه الكلمة تُبنى النفوس، وتُشحذ الهمم، ويشعر العامل أنه شريك في النجاح لا متهم ينتظر العقوبة.
أما الكلمات الجارحة، فإنها قد تُسكت الإنسان لحظتها، لكنها لا تصنع تعليمًا جيدًا، ولا تبني مدرسة ناجحة.
فرفقًا بمديري المدارس… فوراء كل مديرٍ قصة من التعب لا يراها الزائر في جولته القصيرة.
وراء كل مدرسةٍ أناسٌ بذلوا من أموالهم وأوقاتهم وجهدهم حتى تستقبل أبناءنا.
وراء كل بابٍ تم إصلاحه، وكل جدارٍ تم طلاؤه، وكل مرفقٍ تم تجهيزه، أيدٍ ربما دفعت من مالها، وقلوبٌ حملت همَّ المدرسة، فلا تجعلوا خطأً واحدًا يمحو كل هذا الجهد.
نحن لا ندافع عن التقصير، وإنما ندافع عن العدل، ولا نطلب إلغاء المحاسبة، وإنما نطلب أن تكون المحاسبة بلا إهانة، والتوجيه بلا تجريح، والنقد بلا تحقير.
فالمسؤولية ليست سلطةً على الناس فحسب، وإنما هي أمانةٌ في التعامل معهم.
وفي النهاية…من أراد أن يبني مدرسةً قوية، فلا يكسر من يديرها، ومن أراد أن يرفع شأن التعليم، فلا يهين رجاله، ومن أراد إصلاح الخلل، فليُصلحه دون أن يهدم كرامة الإنسان.
هذه ليست مطالبةً بمجاملة المقصرين، وإنما مطالبةٌ بإنصاف المجتهدين.
فأنصفوا من بذل، وحاسبوا من قصّر، وأصلحوا الخلل، واحفظوا كرامة رجال التعليم.
فمصر لا تحتاج إلى مدير مدرسةٍ خائف… بل تحتاج إلى مديرٍ يشعر أن دولته تقف إلى جواره، وتحاسبه بعدل، وتقدّر جهده، وتحفظ كرامته.
والله من وراء القصد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط