«أفاعي الإعلام طباخو السم ومساحو الأحذية: عندما تتحول الشاشات إلى موائد لبيع الشرف الصحفي» بقلم الناقد والمحلل السياسي والكاتب الصحفي/ محمد بهلول

0 3
ليس ثمة ما هو أشد قبحاً في عالم الصحافة والإعلام من أن تتحول الكلمة من أمانة رسالية وموقف إنساني أخلاقي إلى مجرد بضعة حروف تُباع وتُشترى في أسواق المزايدات السياسية.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد تراجع في الأداء الإعلامي، بل هو حالة صارخة من النفاق البنيوي والانتهازية الممنهجة، التي جعلت من بعض الشاشات والبرامج منصاتٍ لـ “الرقص على كل الحبال” والأكل على جميع الموائد دون خجل أو حياء.
ولعلّ الوقوف عند نموذج التعامل الإعلامي مع ملف الدكتور يوسف بطرس غالي—وزير المالية الأسبق—يقدم لنا درساً تشريحياً مجانياً في كيفية تحول “دكاترة الشاشات” ورموز “التدليس التلفزيوني” من خنادق الهجوم والطعن إلى حلبات التلميع والمسح والتبرير.
قناع لكل مرحلة.. وتاريخ يُعاد كتابته بالطلب
قبل سنوات، وخلال موجات التغير السياسي، كانت ذات الأصوات التي تملأ الشاشات ضجيجاً اليوم، تتبارى في إلقاء التهم وتأليف سيناريوهات الفساد حول يوسف بطرس غالي. صوّروه للرأي العام كـ “السارق الأكبر لأموال الغلابة”، والعقل المدمر للطبقة المتوسطة، بل والعميل المنفذ لأجندات المؤسسات الدولية المحتكرة. وُصفت قراراته المالية بالخيانة الاقتصادية، وقُدمت الأحكام الغيابية ضده كدليل قاطع على جرم لا يغتفر.
لكن ما الذي حدث عندما تغيرت الرياح السياسية وتبدلت التوازنات؟
وفجأة، بقدرة قادر وبلمسة سحرية من هندسة الديكور الإعلامي، تحول “سارق أموال المعاشات” إلى “الميكانيكي الفذ الذي كان يضبط إيقاع المالية العامة”، وصرنا نسمع مراراً وتكراراً عن “العقلية الاقتصادية النادرة” التي افتقدتها البلاد! إنها ليست مجرد عودة لخبرة تكنوقراطية، بل هي عملية غسيل وتبييض شاملة لسمعة وشخصية طالما نهشوا في عرضها الوطني فقط لأن بوصلة التوجيه كانت تتطلب ذلك في حينها.
أساليب التلون.. كيف يتقربون إلى السلطة؟
إن تتبع مسار هؤلاء الإعلاميين المتحولين يكشف عن استراتيجية ثابتة ومكررة تعتمد على أدوات رخيصة:
الولاء المطلق للكرسي لا للفكرة: يتغير موقف الإعلامي التحولي بـ 180 درجة بمجرد تغير القاطن في سدة الحكم, ففي عهد كل رئيس، يتفننون في إيجاد مبررات لقراراته، فإذا ما رحل الرئيس أو انقضت حقبته، قفزوا فوراً من السفينة، وكانوا أول المهاجمين له ولرجاله، ليقدموا صكوك الولاء للقادم الجديد.
شيطنة الماضي لتلميع الحاضر (أو العكس): يستخدمون ملفات الشخصيات الجدلية كأوراق لعب؛ تشيطن الشخصية حين تكون السلطة في خصومة معها، ويتم استدعاؤها وتجميلها حين تحتاج الأدبيات الحالية إلى تبرير سياسات معينة أو الاستعانة بخبراتها.
الذاكرة القصيرة للجمهور: يراهن هؤلاء الانتهازيون على ضعف ذاكرة الشعوب، فيناقضون أنفسهم جهاراً نهاراً على نفس الشاشات دون أن ترمش لهم عين، ويتعاملون مع المشاهد وكأنه بلا عقل أو دراية بحجم تضارباتهم التاريخية.
مسرحية السقوط الأخلاقي
إن المشهد الإعلامي الذي نراه اليوم ليس إلا مسرحية هزلية؛ أبطالها يتناوبون على مائدة السلطة، يقتاتون على فتات المزايدات، ويغيرون جلودهم كما تغير الأفاعي جلودها مع كل موسم, لقد أثبتت الأيام أن هؤلاء ليسوا أصحاب أفكار ولا حراس حقيقة، بل هم مجرد أجهزة صدى تُردد ما يُطلب منها، ويبيعون مواقفهم لمن يدفع أو يملك أدوات التوجيه.
ستظل الحقيقة هي الضحية الأولى في زمن التلون النفعي، وسيبقى التاريخ شاهداً على أن الكلمة حين تفقد شرفها، تتحول من سلاح للبناء إلى أداة للهوان والابتذال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط